السيد محمد حسين الطهراني
103
نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت
« حيثما تلتقي الأوهام الموروثة والثقافة في العالم الفاضل ، ولا يدري على أيّهما يعتمد في وزن الأمور ، يتجلّى فيه ما يجتمع في شخصٍ واحد من الذاتيّة القديمة التي هي وليدة الماضي ، والذاتيّة العصريّة التي هي وليدة المشاهدة الشخصيّة ، فيصدر عنه من الآراء المتناقضة ما يستوقف النظر . ومن ذلك التناقض المثال البارز الذي يجده القارئ في الخطبة التي ألقاها الكاتب والعالم الفاضل المسيو رينان في السوربون عن الإسلام والتي أراد مسيو رينان أن يُثبت فيها عجز العرب ، ولكن ترّهاته كانت تنقض بما كان يجيء في الصفحة التي تليها . فبعد أن قال مسيو رينان مثلًا . إنّ تقدّم العلوم مديون للعرب وحدهم مدّة ستمائة عام ، وذكر أنّ عدم التسامح ممّا لم يعرفه الإسلام إلّا بعد أن حلّت محلّ العرب شعوب متأخّرة كالبربر والترك . وعاد فادّعى أنّ الإسلام اضطَهد العلم والفلسفة وقضى على العقل في البلاد التي دانت له . بَيدَ أنّ ناقداً بصيراً كمسيو رينان لا يستطيع أن ينام مدّة طويلة على مثل ذلك الزعم المناقض لأوضح ما رواه التأريخ ، فذهبت عنه أوهامه ومبتسراته الموروثة ثانيةً ، ورجع يعترف بتأثير العرب في القرون الوسطى ، ويشهد بتقدّم العلوم في بلاد الأندلس أيّام سلطانهم . ومن دواعي الأسف أن تغلّبت على رينان مبتسراته غير الشاعرة بعد ذلك سريعاً ، فصار يزعم أنّ علماء العرب ليسوا عرباً ، بل من أبناء سمرقند وقرطبه وإشبيليّة وغيرها ؛ مع أنّ الواقع أنّ تلك البلاد ممّا ملكه العرب ، وأنّ الدم العربيّ ممّا جرى في عروق أبنائها ، وأنّ علوم العرب ممّا كان لها نصيب منه زماناً طويلًا ، وأنّه إذا أبيح لأحدٍ أن يُجادل في الآثار التي صدرت عن مدارس العرب ، كان ذلك من قبيل إباحته لنفسه أن يجادل في مؤلّفات علماء فرنسا بحجّة أنّهم من الشعوب الكثيرة التي تألَّف من