السيد محمد حسين الطهراني

138

رسالة بديعة في تفسير آية الرجال قوامون على النساء

فإذا لم تكن نفوس النِّساءِ قابلةً لأن تُشاوَرَ فكيف تُجعل مركزاً للحكم والقَضاءِ وتَستدعي غيرَها للمشاورة ؟ قال الشَّيخ محمَّد عبدُه عند شرح قوله عليه‌السَّلام : « فإنَّ الْمَرْأةَ رَيْحَانَةٌ وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ » : « أين هذه الوصيَّة من حال الَّذين يَصِرفُون النِّساءَ في مصالح الامَّة بل ومن يختصُّ بخدمتهنَّ كَرامةً لهنَّ » « 1 » . أقول : وبالتَّأمُّل الدَّقيق أيضاً في قوله عليه‌السَّلام بعد ذلك : « وَلَا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا ، وَلَا تُطْمِعْهَا في أنْ تَشْفَعَ بِغَيْرِهَا » « 2 » ، ما يدلُّنا على المقصود . وبالجملة إنَّ في المرأة حالَة رقَّةٍ ولطفٍ وإحساسٍ وانفعالٍ مرتكزٍ في النَّفس ، كما أنَّ خلقَتها الطَّبيعيَّة جُعلت للانفعال بالتَّأثُّر من النُّطفة وقبولها . وهذه الرُّوحيَّة الانفعاليَّة تُنافي وتُخالف ما هو محتاج إلى فعلٍ قويّ وتأثيرٍ شديدٍ ؛ كما في الحاكم والقاضي ؛ وقد عرفتَ وصيَّة أمير المؤمنين عليه السَّلام للأشتر في كتابه إليه : « ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أفْضَلَ رَعِيَّتِكَ في نَفْسِكَ مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الامُورُ ، وَلَا تُمْحِكُهُ الْخُصُومُ ، وَلَا يَتَمادَى في الزَّلَّةِ ، وَلَا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إلَى الْحَقِّ إذَا عَرَفَهُ ، وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ على طَمَعٍ ، وَلَا يَكْتَفِي بِأدْنَى فَهْمٍ دُونَ الْخَصْمِ ، وَأصْبَرَهُمْ على تَكَشُّفِ الامُورِ ، وَأصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ ، مِمَّنْ لَا يَزْدَهِيهِ إطْرَاءٌ ، وَلَا يَسْتَمِيلُهُ إغْرَاءٌ ؛ وَاولَئِكَ قَلِيلٌ » . ولعمري هذه الوصيَّة تليق أن تُكتب بالنُّور على أحداق الحُور ، لا بِالحبر على الأوراق ، ولا بالتِّبرِ على الأشْفَاق .

--> ( 1 ) تعليقة عبدُه ص 56 من باب الكتب من « النهج » . ( 2 ) ورد في ضبط ابن أبي الحديد : في أن تشفع لغيرها باللَّام . « شرح ابن أبي الحديد » ج 16 ، ص 122 ، بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم .