السيد محمد حسين الطهراني
126
رسالة بديعة في تفسير آية الرجال قوامون على النساء
أنَّهُ بَاطِلٌ فَهُوَ في النَّارِ ؛ وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُ حَقٌّ فَهُوَ في الْجَنَّةِ » « 1 » . هذا تمام كلامنا في البحث عن ولاية الفقيه . وإنَّما اقتصرنا فيه على شرائِط الوالي والقاضي والمفتي بالرِّوايات الواردة في المقام ، ولم نذكر حدودَ ولايتهم وشرائِط المُولَّى عليهم ؛ لأنَّه خارجٌ عن موضوع هذه الرِّسالة التي صُنِّفَتْ في حقُوق النِّساءِ . ولعلَّ الله يُوَفِّقنا بعدُ لِعَمَلِ رسالةٍ بديعة في هذا المرام ؛ ومن أرادالاطِّلاع على الشرائِط والحدود فعلًا فعليه المراجعة بكتاب « عوائد الأيَّام » للمولى أحمد النَّراقيّ ، و « بُلْغَةِ الفقيه » للسَّيِّد محمَّد آل بَحر العُلوم ، و « عناوينالاصول » للسَّيِّد عبدالفتّاح المراغيّ الحسينيّ رحمة الله عليهم . نتيجة للمقدَّمات المذكورة إذا عرفتَ هذه المقدَّمات ، علمتَ أنَّ القَضاءَ والحكومَة من أعظم أمور النَّاس بل أعظم أمورهم على الإطلاق ، ولا شيءَ أعظمُ منهما في الجامعة المَدَنيَّة ؛ لأنَّهما الرُّوح في المُجتمع ، وبالوِلايةِ قِوامُهُم وقِيَامُهُم ؛ وهي منصبٌ إلهيّ من قِبَل الله تعالى من غير واسطةٍ أو بواسطة المنصوبة لا غير « 2 » .
--> ( 1 ) « الخصال » الطبع على الحجر ، ص 118 . ( 2 ) وينبغي لنا في المقام أن نذكر كلام العالم الخبير سماحة آية الله الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء في كتابه البديع : « أصل الشيعة وأصولها » . قال - قدّه - : « لولاية القضاء ونفوذ الحكم في فصل الحكومات بين النّاس منزلة رفيعة ومقام منيع وهي عند الإماميّة شجن من دوحة النبوّة والإمامة ، ومرتبة من الرّياسة العامّة وخلافة الله في الأرضين ؛ ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحقّ . فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلّموا تسليماً ) . كيف لا والقضاة والحكّام أمناء الله على النّواميس الثّلاثة : النّفوس والأعراض والأموال ، ولذا كان خطره عظيماً وعثرته لا تقال . وفي الأحاديث من تهويل أمره ما تخفّ عنده الجبال مثل قوله عليهالسلام : « القاضي على شفير جهنّم ، ولسان القاضي بين جمرتين من نار . يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلّا نبيّ أو شقيّ » . وفي الحديث النبوّيّ : « من جُعل قاضياً فقد ذبح بغير سكّين » . إلى كثير من نظائرها . والحكم الذي يستخرجه الفقيه ويستنبطه من الأدلّة إن كان على موضوع كلّيّ فهو الفتوى مثل : « إنَّ مال الغير لا يجوز التّصرف فيه إلّا بإذن مالكه . وإنّ وطءَ الزوجة حلال ووطءَ الأجنبيّة حرام » . وإن كان على موضوع جزئي فهو القضاء والحكومة . مثل : « إنَّ هذه زوجة وتلك أجنبيّة . وهذا مال زيد » . وكلّ منهما من وظائف المجتهد العادل الحائز منصب النّيابة العامّة عن الإمام سوى أنّ القضاء الذي هو في الحقيقة عبارة عن تشخيص الموضوعات مع المرافعة والخصومة أو بدونها كالحكم بالهلال والوقف والنّسب ونحوها يحتاج إلى لطف قريحة وقوّة حدس وعبقريّة ذكاء أكثر ممّا تحتاجه الفتوى واستنباط الأحكام الكلّيّة بكثير . ولو تصدّى له غير الحائز لتلك الصفات كان ضرره أكبر من نفعه وخطاؤه أكثر من صوابه . أمّا تصدّي غير المجتهد العادل الذي له أهليّة الفتوى فهو عندنا معشر الإماميّة من أعظم الحرمات وأفظع الكبائر بل هو على حدّ الكفر بالله العظيم ، بل رأينا أعاظم علماءِ الإماميّة من أساتيذنا الأعلام يتورَّعون من الحكم ويفصلون الحكومات غالباً بالصُّلح . ونحن لا نزال غالباً على هذه الوَتيرَة اقتداءً بسلفنا الصَّالح » ( « أصل الشيعة وأصولها » ص 167 إلى ص 169 ، طبع بيروت سنة 1379 الهجرية ) .