السيد محمد حسين الطهراني (تعريب: عبد الرحيم مبارك)
236
رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى بحر العلوم
--> الإنابة ، التي لم يَسْرِ الذكر خلالها إلى باطنه ، ولم يتخطّ سيره في السلوك المحسوسات الجزئيّة ، يُدعى بالذكر القالبيّ . فإن حصل له تبديل بعض الأخلاق الذميمة إثر التكرار والمواظبة ، فصار يُدرك أثر الذكر في نفسه ، ويسرّ بتعقّل معنى الذكر ، دُعي ذِكره حينذاك بالذكر النفسيّ . فإن بلغ سيره نهاية عالَم العنصر ، وصار لنفسه صفاء في الجملة بسبب تبديل بعض الصفات الذميمة ، وخمد غبار كدورات الصفات النفسانيّة والبشريّة ، أثّرت فيه حلاوة الذِّكر وغلب عليه الشوق المذكور ، فصار ذاكراً دونما تحريك لسان ، وغدا يسمع أحياناً إنشاد ذكر القلب كصوت قمريّة أو شدو طائر ، دُعي ذِكره آنذاك بالذكر القلبيّ . وسيبلغ سيره في هذه المرحلة إلى بداية الأفلاك . فإن زاد صفاء قلبه ، تصرّف فيه إثر نورانيّة الذكر القلبيّ ، وفرغ سرّه من الالتفات إلى الغير في الجملة ، فدُعي ذكره بالذكر السرّيّ . وقد يحصل أحياناً إثر تحريك القلب في هذا الذكر ، أن يُسمع صوت أشبه برنّة إلقاء أُسطوانة صغيرة في طاس نُحاسيّ . ويصل سير السالك في هذه المرحلة إلى أواسط عالم الأفلاك . فإذا تطهّر سرّ السالك تماماً من التشتّت بالآراء الفاسدة والعقائد المشوّشة ، ولم يبقَ للقلب التفات إلى غير المذكور ، عبر من نهاية مراتب الأفلاك وبلغ أوائل عالم الجبروت وصار له حُكم الروح ، ويُدعى ذلك بالذكر الخفي . ويحصل أحياناً همهمة في الباطن بواسطة غلبة توجّه الذاكر ، ويُدرَك صوت كصوت ذبابة تحطّ على خيط حريريّ . فإن انتفت واستترت مراتب الوجود المستعار كلّيّاً في جذبات نور الأنوار ، وتحقّق بمقام الفناء عن نفسه وعن ما سوى الله ، ارتقى سيره إلى السير في عالم اللاهوت . فلم يبقَ وجود للذكر ولا للذاكر في جنب التجلّي المذكور ، فصار يذكر ذِكره لنفسه ، ولم يبقَ من « الأنا » إلّا الاسم ، ومن الذكر والذاكر إلّا تبادل الأوهام ، دُعي غيب الغيوب .