الشيخ محمد اليعقوبي
250
خطاب المرحلة
وهكذا فإن الإسلام لم يأمر بالقتال ليبسط نفوذه وليجني أموالًا ودنيا أو لمجرد تلبية غرائز حب التسلط على رقاب الناس ، وإنما قاتل ليحرر الناس من عبادة الطواغيت ويترك لهم الخيار والحرية التامة في اعتناق العقيدة التي يشاؤون ولو إذن كسرى لصوت الإسلام أن يُعرض على الفرس ويسمح لهم بالاختيار بحرية لما قاتله المسلمون ، ولكنه لما عتى وتجبَّر وأصرَّ على استعباد قومه قاتله المسلمون وكسروا شوكته ، ولما أمَّنوا هذه الحرية للناس تركوا لهم حرية المعتقد ، وكان أتباع أهل الديانات الأخرى يعيشون في عاصمة الإسلام وغيرها من الحواضر وتوفر الدولة كل حقوقهم حتى أن أمير المؤمنين عليه السلام وبخ أصحابه حينا رأى مسيحياً يستعطي في عاصمته الكوفة لأنه كبر وعجز عن العمل وأمر أصاحبه بصرف راتب تقاعدي له من بيت مال المسلمين . ويؤكد قوله تعالى هذه الحقيقة ( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ) ولكن بعد أن تؤمن حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر للناس جميعاً . ولذا قاتل المسلمون بشرف وجسدوا أسمى ثقافة للقتال ، فعندما دخل المسلمون مكة فاتحين كان سعد بن عبادة يحمل راية الأنصار فأخذه زهو الانتصار وتراءى له شريط طويل من ذكريات قريش الظالمة المعتدية مع النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فاخذ يرتجز ويقول : اليوم يوم الملحمة * اليوم تُسبى الحُرَمة فما بلغ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هذا الموقف أرسل ابن عمه عليَ ابن أبي طالب وأمره بأخذ الراية من سعد وان ينادي : اليوم يوم المرحمة * اليوم تُصان الحُرمة هذه هي أخلاق الإسلام وأهدافه ومبادئه التي جاء لتأصيلها في الأمة ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) فكلُّه خير وعطاء ونفع عميم للبشرية ومواقف أمير المؤمنين مع خصومه الذين شنّوا عليه الحروب وأزهقوا ألاف النفوس مما يطأطئ له الرأس إجلالًا وإعظاماً .