الشيخ محمد اليعقوبي
145
خطاب المرحلة
بسمه تعالى : لما كان الدستور ينظّم الحياة المدنية للمجتمع ويوزّع المسؤوليات ويحدد الحقوق والواجبات للسلطة والشعب فهو يقع ضمن مساحة المباحات والتشريعات الموكولة للأمة كي تقنّن لنفسها ما يصلحها ، وهذا الإيكال أشارتْ إليه الآية الشريفة ( وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ ) فضمير ( هم ) يعني اختصاص الشورى بالأمور الراجعة إليهم ، وضمن هذه المساحة يكون من المفيد الاطلاع على تجارب البشرية المتعددة والمتكاملة عبر التأريخ ؛ لأن إدارة المجتمعات المدنية جهد إنساني وحضاري تشترك فيه جميع البشرية ولا يمكن الاستغناء عن تجارب الآخرين . فالإسلام مصدر للتشريع في المساحة التي وضع الشارع المقدس لها أحكاما إلزامية ، أما ( منطقة الفراغ ) التي تركها الشارع المقدس للأمة كي تقرّر ما يناسب حالها وظروفها فهي منطقة فراغ بمعنى خلوّ الشريعة فيها من الأحكام الإلزامية ، ولا تعني ترك الشريعة لها من دون حكم غير إلزامي لأنه خلاف ما نعتقده من أنه ( ما من واقعة إلا ولله فيها حكم ) . وهذه المساحة تشمل أيضا منطقة العناوين الثانوية كالضرر والعسر والحرج والإخلال بالنظام الاجتماعي العام ، فإن هذه العناوين الثانوية التي تطرأ على الموضوع تسقط الأحكام الأولية الأصلية حتى لو كانت إلزامية ، فترتفع حرمة أكل الميتة عند الاضطرار ويسقط وجوب الوضوء عند العسر ووجوب الصوم عند الضرر . ومثل هذه المناطق ( منطقة الفراغ والعناوين الثانوية ) هي التي يوضع الدستور والقوانين المنبثقة عنه لملئها وفي هذه المنطقة التي يغطيها الدستور لا مانع من أن يجتمع أعضاء منتخبون من قبل الشعب ليقرر الأصلح بالاستفادة من تجارب وتشريعات الأمم الأخرى ، وانطلاقاً من ثوابتهم الأخلاقية والاجتماعية والثقافية والظروف المحيطة بهم ، ولكن يشترط في هذه التشريعات أن لا تخالف الشريعة الإسلامية وهذا بالضبط ما أقرّه الدستور حيث أعلنت كبيرة النساء