الشيخ محمد اليعقوبي

31

خطاب المرحلة

الغطاء ما ازددت يقيناً . ويقول ( عليه السلام ) : أول الدين معرفته ؛ لذا كانت عبادته ( عليه السلام ) لا طمعاً في جنة ولا خوفاً من نار ، وإنما وجد الله سبحانه أهلًا للعبادة فعبده . ومن كلماته ( عليه السلام ) : ( إلهي كفى بي عزاً أن أكون لك عبداً ، وكفى بي فخراً أن تكون لي رباً ، إلهي أنت كما أحب فاجعلني كما تحب ) هكذا كانت علاقته ( عليه السلام ) مع ربه . وقد كانت هذه العلاقة هي محور حياته ، فلا يقول قولًا ولا يفعل فعلًا ولا يتقدم ولا يتأخر إلا في حدود وظائف العبودية وحقوق الربوبية ، تنسب إليه كلمة مضمونها ( ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله وبعده وفيه ) ، يريد ناقلها أن يقول إن ابن أبي طالب ( عليه السلام ) كان يعيش في رحاب الله ، وإنه لم يغفل عنه ولا لحظة ، ويرى الله في كل شيء ، وهو معنى صحيح لكنه قاصر عن بيان سموّ مرتبته ، فإنها تتضمن معنى أنه ( عليه السلام ) كان يرى شيئاً غير الله سبحانه ، وهو لم يكن يرى غير الله سبحانه في كل شيء في هذا الوجود ، وما هذه الأشياء التي حوله إلا مرآة عاكسة للحق تبارك وتعالى ، وهي فانية فيه لم يكن يلحظها ( عليه السلام ) وإنما يلحظ صورة الحق التي تتجلى فيها . هكذا كان ( عليه السلام ) في ذكر دائم لله وحياة مستمرة في رحاب الله سبحانه وحركة دؤوبة لنيل رضاه ، وإذا اقتضت طبيعته البشرية أن ينام ويأكل وينكح مما يعدّه تقصيراً في وظائف العبودية الكاملة فإنه كان يستغفر لذلك أشد الاستغفار ، ويبكي أشد البكاء ، رغم أن هذه الأمور غير اختيارية ، سئل ( عليه السلام ) : أيهما أحبُّ إليك الجلوس في المسجد أم في الجنة ؟ قال : في المسجد . وقيل : ولم ؟ قال ( عليه السلام ) : لأن في الجلوس في المسجد رضا ربي وفي الجلوس في الجنة رضا نفسي ، وأنا أقدم رضا ربي على رضا نفسي . ما خُيّر بين أمرين لله فيهما رضا إلا اختار أشدَّهما على نفسه ، لأنه يريد أن يقدم كل شيء قربة إلى الله سبحانه ، وأهم شيء يملكه الإنسان هي نفسه ، فأمات نفسه بمعنى أنه ضحّى بغرائزه وبميوله وبنزعاته في سبيل نيل رضا الله .