الشيخ محمد اليعقوبي
66
ثلاثة يشكون (شكوى القرآن ، شكوى المسجد ، شكوى الإمام)
3 - التدريجية في الهداية والاصلاح والأخذ بأيدي الناس برفق ومثالهم الرئيسي على ذلك : التدريج في تحريم شرب الخمر - باعتباره عادة راسخة في المجتمع وقد أشربت في قلوبهم وعقولهم - فتدرج في المنع على مراحل ، أولها ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ) « 1 » فقال بعضهم لا نشربها لأنها اثم وقد حرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم وقال بعضهم نشربها بمقدار المنافع فيها ، ثم نزل قوله تعالى : ( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ) « 2 » فامتنع بعضهم وقالوا لا نتناول شيئاً منافياً للصلاة ، ثم نزلت آية المائدة التي أفادت المنع المؤكد الجازم : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) « 3 » ونفس نزول القرآن نجوماً أي مبعضاً على مدى ( 23 ) سنة انما يهدف - فيما يهدف اليه - المعالجات الآنية آخذاً بنظر الاعتبار الزمان والمكان والظروف الموضوعية وتباين مستوى الناس واستعدادهم للتلّقي والتطبيق . ويمكن ان يكون التدرج بعدة اشكال فعندما يراد معالجة ظاهرة اجتماعية متأصلة - كالسنينة العشائرية مثلًا - فنبدأ أولًا بإثارة الاشكالات حول مدى صحتها وجدواها والتشكيك فيها ثم طرح البدائل والخيارات الأخرى المقابلة لها فإذا زرع في النفوس هذا التشكيك وبدا الالتفات إلى البديل الأفضل فستنشأ القناعة بابدالها وعندئذٍ يمكن التصدي لنقضها اما محاولة نقضها مباشرة ومن دون هذه التهيئة فإنه يعني الفشل الذريع وما دامت راسخة ومتأصلة وقد جُبل الانسان على احترام ما هو مألوف وموروث عنده والتعبد به فسيكون هؤلاء المتعبدون كلهم ضد اية محاولة لتغيير هذه الظاهرة الاجتماعية .
--> ( 1 ) البقرة : 219 . ( 2 ) النساء : 43 . ( 3 ) المائدة : 90 .