الشيخ محمد اليعقوبي

358

سيرة الأئمة الإثني عشر (ع)

يجدونها ماءاً ، بل يمكن أن نفهم أن بعض الناس وهم المؤمنون خاصة هم الذين يجدونه ذلك ، وإلا فإن أكثر الناس حين يقعون في ماء الدجال أو بهارج المادية لا يجدون إلا اللذة وتوفير المصلحة كما أنهّم حين يقعون في المصاعب والمتاعب لا يجدون إلا الضيق والكمد . لماذا الدجال أعور ؟ والدجال أعور « 1 » ، وهو كذلك بكلّ تأكيد من حيث إنّ الحضارة المادية تنظر إلى الكون بعين واحدة ، تنظر إلى مادته دون الروح والخلق الرفيع والمثل العليا ، ومن يكن أعور غير مدرك للحقائق فكيف يكون رباً صالحاً للولاية على البشرية ، وإنمّا تكون الولاية خاصة بمن ينظر إلى الكون بعينين سليمتين فتكون نظرته متوازنة ، قال تعالى : ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ) ( القمر : 49 ) ، ويتعامل مع جميع مفرداته بما فيه من مادة وروح ويعطي لكل زاوية حقها الأصيل : ( وإنّ ربكم ليس بأعور ) ، بل إنّ ربي على صراطٍ مستقيم ( وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ( الأنعام : 153 ) . والدجال كافر لأنهّ يعبد المادة والمصالح ولا يعبد الله ولا يطيعه ولا يلتفت إليه ويطيع شهوات النفس ( أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ، وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ) ( الجاثية : 23 - 24 ) ،

--> ( 1 ) إشارة إلى الحديث الذي أخرجه البخاري ( 9 / 75 ) عن أنس قال : قال صلى الله عليه وآله وسلم ( ما بُعِثَ نبي إلا أنذر أمته الأعور والكذاب ، ألا إنه أعور وإن ربّكم ليس بأعور ) وأخرج مسلم نحوه ( 8 / 195 ) .