الشيخ محمد اليعقوبي
158
سيرة الأئمة الإثني عشر (ع)
وتتحقق المطابقة بين الظاهر والباطن ، فقد يصدر من الشخص السيئ فعل حسن بتصنع ورياء وخداع ، ويصدر من الإنسان الصالح فعل سئ ، لكن كل واحد منهما لابد أن يعود في النهاية والخاتمة إلى ما يطابق باطنه مهما طال الزمن ، قال تعالى ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ) ( الإسراء / 84 ) . والتاريخ حافل بأسماء أشخاص كانت حياتهم مملوءة بالفسق والابتعاد عن الله تعالى لكنّهم خُتم لهم بالخير لأنّ أصلهم ومعدنهم كان كذلك كبشر الحافي والحر الرياحي مثلًا ، ويوجد أمثلة كثيرة للعكس من ذلك كإبليس اللعين الذي كان مع الملائكة وعبد الله تعالى ستة آلاف سنة ثمّ خُتم له بالشقاء ، وهذا لا ينافي الاختيار لأنّ كلًا منهما باختياره فعل ما يوجب له تلك الخاتمة . 5 . إنّه عليه السلام إنما ذكر الحديث لمعالجة مشكلة موجودة في المجتمع تحكم العلاقات بين الناس ومنشأها عدم التفكيك بين تقييم الشخص وتقييم فعله أي تطبيق الملازمة المذكورة في كلام الإمام عليه السلام من دون الالتفات إلى الاستثناء ، والمشكلة هي إن أحدنا إذا اختلف مع شخص آخر أو لم يرتضِ فعلًا من أفعاله فإنه يرفضه جملة وتفصيلا ويعاديه ويشنّع عليه . مشكلتنا اليوم هي التمزق : فالمشكلة التي نعاني منها وتمزّق وحدة المجتمع هي التوسع من رفض الفعل إلى رفض نفس الفاعل ، وبدل الاعتراض على الفعل نفسه كحاله يتحوّل إلى رفض الشخص كلياً وتسقيطه وتفسيقه وإلغائه ولو كان إنساناً مؤمناً ملتزماً بالخط العام للشريعة ، وفي هذا خروج عن القواعد الشرعية وتجاوز للحدود ( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) ( الطلاق / 1 ) ( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )