الشيخ محمد اليعقوبي
92
مفاهيم قرآنية
حقيقة الذكر : قالوا : إن الذكر بمعنى الحفظ ، إلا أن الاختلاف بينهما باللحاظ ، فيقال الحفظ باعتبار إحراز المحفوظ ، والذكر يقال اعتباراً باستحضاره . وأقول : إنه تارةً يراد بالذكر معناه المصدري فيكون معناه حضور الشيء في القلب أو على اللسان ، وتارة يراد به المعنى اسم المصدري ، فيعبر عن قابلية عقلية وقلبية بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة . والمعنى الحقيقي لذكر الله تعالى هو حضوره في القلب والالتفات إليه لأنه الذي تتحقق به الآثار ، أما حركة اللسان به فهي تعبير وكاشف عنه ومظهر ومبرز له ، وليست ذكراً حقيقياً إلا من باب ذكر الدال وإرادة المدلول به ، ولا تترتب الآثار المتقدمة عليه وحده . أترى لو أن إنساناً كان له حصن يحميه من عدوه فهل يكفيه أن يكرّر : أعوذ بهذا الحصن من عدوي لحمايته من العدو إذا هجم عليه ، أم المطلوب الدخول فعلًا في الحصن ، وهكذا كل الأذكار لها حقائق تترتب عليها الآثار ولا يكفي مجرد لقلقة اللسان ، كما في الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة لرجل قال بحضرته : أستغفر الله ، فعلّمه الإمام عليه السلام حقيقة الاستغفار . لكن الله تعالى بكرمه جعل ثواباً حتى على مجرد تحريك اللسان بالذكر وإن كان ليس ذا قيمة مقابل ما يقترن بالذكر القلبي ، لذا لا ينبغي الالتفات إلى ما يقوله بعض الصوفية من أن الذكر باللسان دون حضور القلب لا قيمة له وتركه أولى ، فهذا من تسويلات الشيطان ؛ لأن