الشيخ الأميني

255

الغدير

وهو لا يعرف الرجل ولم يخش من الفضيحة ، ولماذا أوقفه على أمر أبيه وعواره وقد كان يستخفيه ويظهر للناس موته ؟ وأنى يصدق بأن رجلا قطع لسانه دون مبدئه وحبه لخليفته قد استخفى قصته ، وما أشاع بها ، وما صاح وما باح بمظلمته ، وما أبان أمره عند قومه ، وما أفاض عن شأنه بكلمة ، ولا يمم قاضيا ولا حاكما ولا الدوائر الحكومية الصالحة للنظر في مظلمته من عدلية أو دائرة شرطة ، وعقيرته مرفوعة من شدة الألم ، ولم يزل القوم يتربص الدوائر على الشيعة ، ويختلق عليهم طامات كهذه . وأنى يصدق أنه لما خرج من دار من جنى عليه وهو مقصوص اللسان وقد ملأ فمه دمه ، ولاذ بالحجرة الشريفة باكيا قلقا من شدة الألم ، ما باه له أي أحد ، وما عرفت مع هذه كلها من أمره قذ عملة ، ولا تنبه لأمره سدنة الحضرة الشريفة ؟ وما بال الرجل لم يمط الستر في وقته عن جناية عدو خليفته ، ولم يفش سره ، ولم يعلن كرامة الصديق ، ولم يفضح عدوه ، ولم يعرب عن هذه المكرمة الغالية ، ولم يقرط الآذان بسماعها ، وينبس أمره ولم ينبشه ، كأن لسانه بعد مقطوع ، وأنه لم يجده في فيه صحيحا ؟ أو رضي بأن يفشفش ( 1 ) بعده أعلام قومه ؟ وإن تعجب فعجب عود هذا الشحاذ الجرئ إلى سؤاله مرة ثانية في سنته القابلة بعد أن رأى ما رأى قبل أن أعوم ، ووقوفه في ذلك الموقف الخطر في قبة العباس يوم عاشوراء ، ومضيه من دون أي تحاش إلى تلك الدار التي وقعت فيها واقعته الخطرة الهائلة ، ودخوله فيها رابطا جأشه ، وإلقاءه نفسه إلى التهلكة ، ولم يكن يعرف شيئا من قصة الشيعي ومسخه ، ولا من حنو الشاب وعطفه ، وقد قال الله تعالى : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة . ولعله كان في هذه كلها على ثقة وطمأنينة من أنه قط لا يبقى بلا لسان ، وأن لسانه مهما قطع يرد إليه كما كان من بركة الخليفة ، وهو في حسبانه هذا وقدومه إلى المهالك مجتهد وله أجره وإن أخطأ كاجتهاد سلفه .

--> ( 1 ) فشفش : أفرط في الكذب ، وانتحل ما لغيره