الشيخ الأميني
132
الغدير
يقاتل النبي دون التنزيل ، وإظهار ما لم يتسن للنبي الإشادة به إما لتأخر ظرفه ، أو لعدم تهيأ النفوس له ، أو لغير ذلك من العلل ، فكل منهما داخل في اللطف الإلهي الواجب عليه بمعنى تقريب العباد إلى الطاعة وتبعيدهم عن المعصية ، ولذلك خلقهم واستعبدهم وعلمهم ما لم يعلموا ، فلم يدع البشر كالبهائم ليأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل . ولكن خلقهم ليعرفوه ، وليمكنهم من الحصول على مرضاته ، وسهل لهم الطريق إلى ذلك ببعث الرسل ، وإنزال الكتب ، وتواصل الوحي في الفينة بعد الفينة ، وبما أن أي نبي لم ينط عمره بمنصرم الدنيا ، ولا قدر له البقاء مع الأبد ، وللشرايع ظروف مديدة ، كما أن للشريعة الخاتمة أمد لا منتهى له ، فإذا مات الرسول ولشريعته إحدى المدتين وفي كل منهما نفوس لم تكمل بعد ، وأحكام لم تبلغ وإن كانت مشرعة ، وأخرى لم تأت ظروفها ، ومواليد قدر تأخير تكوينها ، ليس من المعقول بعد أن تترك الأمة سدى والحالة هذه ، والناس كلهم في شمول ذلك اللطف والواجب عليه سبحانه شرع سواء ، فيجب عليه جلت عظمته أن يقيض لهم من يكمل الشريعة ببيانه ، ويزيح شبه الملحدين ببرهانه ، ويجلو ظلم الجهل بعرفانه ، ويدرع عن الدين عادية أعدائه بسيفه وسنانه ، ويقيم الأمت والعوج بيده ولسانه . ومهما كان للمولى جلت مننه عناية بعبيده ، وقد ألزم نفسه بإسداء البر إليهم ، وأن لا يوليهم إلا الخير والسعادة ، فعليه أن يختار لهم من ينوء بذلك العباء الثقيل ويمثل مخلفه الرسول في الوظايف كلها ، فينص عليه بلسان ذلك النبي المبعوث ولا يجوز أن يخلي سربهم ، ويتركهم سدى ، ألا ترى أن عبد الله بن عمر قال لأبيه : إن الناس يتحدثون أنك غير مستخلف ، ولو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاء وترك رعيته رأيت أن قد فرط - لرأيت أن قد ضيع - ورعية الناس أشد من رعية الإبل والغنم ، ماذا تقول لله عز وجل إذ لقيته ولم تستخلف على عباده ؟ ( 1 ) وقالت عائشة لابن عمر : يا بني أبلغ سلامي وقل له : لا تدع أمه محمد بلا
--> ( 1 ) سنن البيهقي 8 ص 149 عن صحيح مسلم ، سيرة عمر لابن الجوزي ص 190 ، الرياض النضرة 2 ص 74 ، حلية الأولياء 1 ص 44 ، فتح الباري 13 : 175 عن مسلم .