الشيخ محمد اليعقوبي
35
فقه الخلاف
السنة على ما سنشير إليه . وهذا يعني أن مقتضى الصناعة تقييد الطائفة الأولى - التي فيها فاستقبل بذبيحتك القبلة - بالثانية التي ورد فيها أن البأس ثابت في صورة العمد ويراد به صورة القصد إلى الفعل وهو الذبح لغير القبلة ، سواء علم بحكمه أم لا . إلا أن هذا على خلاف ما هو المسلم من حلية ذبائح المسلمين من سائر المذاهب مع صدق العمد إلى الفعل في حقهم ، بل وعلى خلاف صحيحة محمد بن مسلم الأخيرة فإنها صريحة بصدرها في جواز الأكل مع الجهل بالحكم ، لأن السؤال فيها عن حكم الجاهل بالحكم لا بالموضوع ، حيث ذكر : ( فجهل أن يوجهها إلى القبلة ) ، ولم يقل : ( وجهل القبلة ) ) ) . أقول : 1 - تقدم تقنين كلام المشهور هنا وفق ما مشوا عليه في سائر الموارد بتقريب أنهم بنوا هنا على صدق العمد على الجاهل ، لكننا فرّقنا آنفاً بين عمدين أحدهما يصدق على الجاهل لكنه غير محرِّم للذبيحة ، والآخر محرِّم للذبيحة لكنه لا يصدق على الجاهل ، وبتعبير آخر : إن المحرِّم للذبيحة هو الذبح لغير القبلة عن علمٍ - بالحكم وهو الحرمة والموضوع - وعمد بحسب الظاهر من الروايات ولو بجعل بعضها قرينة على بعض ، بل مضافاً إليهما الاختيار أيضاً ، فمن يذبح لغير القبلة عن علم وعمدٍ مضطراً كما لو استصعبت الذبيحة فإنها تحلّ . والخلاصة : إن العمد وحده حتى لو صدق فإنه ليس محرِّماً . 2 - لو سلّمنا خروج المشهور عما مشوا عليه فإنه للدليل الخاص وهي صحيحة محمد بن مسلم الظاهرة في أن المقصود هو الجاهل بالحكم . 3 - لو قلنا بحرمة الذبح لغير القبلة جهلًا فإنه لا يخالف ما هو المسلم من حلّية ذبائح المسلمين ، لما قرّبناه من أن هذا المسلَّم لا يعني إلغاء الشروط المعتبرة كالتسمية والاستقبال ؛ لأن المشهور وإن لم يكن عندهم وجوب الاستقبال إلا أنهم يحثّون عليه ويكرهون تركه ، والمعاند منهم شبهة غير محصورة .