الشيخ محمد اليعقوبي
105
فقه الخلاف
الشحام على ما نحن فيه لما ذكرناه ( صفحة 98 ) من كونها أجنبية ، وبذلك تسقط كلتا الصحيحتين عن الاستدلال ، فيكون ما ذكره المشهور من ابتناء الخلاف في المسألة على مفاد الصحيحتين ليس تاماً . وعلينا أن نرجع في شرح معنى التذكية والذبح إلى العرف الذي يكتفي بقطع الحلقوم وشق الودجين لإنهار الدم ، ولا يكفي خروج الدم مطلقاً كما هو ظاهر اللفظ في صحيحة الشحام لأن الخروج يتحقق حتى بشق الجلد مع أنه لا أحد يكتفي به ، فالمراد بخروج الدم أي خروج الدم الموجود في البدن فيكون مفاد صحيحة الشحام مطابقاً للمعنى العرفي بعد تفسير خروج الدم بجريانه وإنهاره . بل قد يقال باكتفاء العرف بجريان الدم وإخراجه من البدن فقط لتحقق التذكية وهو المناسب لمعنى التذكية لغةً إذ ( ( حقيقة التذكية إخراج الحرارة الغريزية ) ) « 1 » والحرارة إنما تجري مع الدم ، وكفاية إخراج الدم يظهر من عدة روايات معتبرة كصحيحة محمد بن مسلم وخبر سماعة الآتيين ( صفحة 114 ) ، وإذا تعمقنا أكثر فنقول أن من خصائص التذكية وآثارها الطهارة والصلاح وإنما يتحققان بإخراج الدم الذي هو سبب الفساد في البدن وقد أثبتت التجارب العلمية الحديثة أن الطريقة الإسلامية للذباحة هي الصحيحة لأنها تخرج أغلب الدم من بدن الحيوان مما يحافظ على اللحم من الفساد والإضرار بالإنسان ومما يشهد لهذا تعبير الروايات والفقهاء عن الدم بالنفس فيقال عن الحيوان أنه ذو نفس سائلة فتخرج نفسه بخروج دمه . لكن الإنصاف أن العرف يرى قطع الحلقوم داخلًا في عملية التذكية ليعجّل الموت ، أما الاكتفاء بقطع الودجين فإنه يؤدي إلى النزف الذي قد يطول ، وبذلك يقوى الأخذ بصحيحة الشحام من جهة مطابقتها للمعنى العرفي للتذكية ، مع إمكان القول أن الذيل تضمن قاعدة عامة للتذكية لا يخصّصها المورد ، ولا يضرّ بها ما
--> ( 1 ) المفردات للراغب ، مادة ( ذكا ) .