الشيخ محمد اليعقوبي

139

فقه الخلاف

أقول : إلى هنا تنتهي فترة الأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) الظاهرين باستشهاد الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) عام ( 260 ه - ) فيكون للنظر فيه مدخلية في الاستدلال ، لكننا نستمر في بيان خلاصة تأريخ الجمرات وما حصل لها من تطورات حتى التوسعة الأخيرة إتماماً للفائدة والله الموفق . ووصف الرحال ابن جبير جمرة العقبة في القرن السادس بأنها تقع على قارعة الطريق مرتفع عنه نتيجة لتراكم حصى الجمار ، ويعلو الجمرة مسجد مبارك ، كما أنها تحتوي على علم منصوب شبه أعلام الحرم وأعلام الحرم يبلغ ارتفاعها بحسب المصادر ثلاثة أذرع . وأول من وصف الجمرة بالبناء المحجوبي المغربي الذي حج سنة ( 820 ه - ) حيث قال : ( ( جمرة العقبة بناء كالبرج أو كصومعة صغيرة عريضة لكنها مصمتة لا جوف لها ، وقد بنيت على رأس شرف من حجر صلد ينحدر الناس منه إلى أرض مكة ويصعدون فيه إلى أرض منى ) ) ويضيف المحجوبي : وصفت الجمرتين الباقيتين هكذا في البناء إلا أن جمرة العقبة أعظم بناءً من الجمرتين الأخيرتين فيما شاهدناه ، وهو بناء لا يزال يجدد كلما احتاج إلى تجديد . وفي ضوء هذا نفهم ظهور الإشارة إلى البناء في موضع الجمرة في كلمات الشهيد الأول ( قدس سره ) المتوفى سنة ( 786 ه - ) ، وتحولت هذه الإشارة إلى تعريف الجمرة بالبناء لأول مرة في كلمات فقهائنا ( قدس الله أرواحهم ) عند صاحب المدارك المقارب لذلك العصر فقد توفي عام ( 1009 ه - ) . ومن تلك الفترة أصبح اسم الجمرة يطلق على العلم الذي بني فوقها ، وهو من باب إطلاق اسم المحل على الحال ويعني ذلك أن الجمرة قد اختفى مفهومها الأصلي وهو مجمع الحصى ليعرف بالعلم الذي فوقها والجدار الذي في ظهرها ، وفي ذلك بعد عن المعنى الحقيقي للجمرة حتى أن الرمي هنا صار يوجه إلى هذا العلم وليس إلى مجمع الحصى من الجمرة .