الشيخ محمد اليعقوبي
241
فقه الخلاف
الثالثة : إن روايات ( صم للرؤية وافطر للرؤية ) « 1 » لا تعني أن رؤية الهلال أخذت على نحو الموضوعية والشرطية في ثبوت الشهر ، بل هي طريق لحصول العلم به ، شأنها في ذلك شأن كل وسائل الإثبات . لأن الأشهر القمرية حالة معروفة للناس قبل الشريعة وكانوا يعلمون عدد السنين والحساب من خلالها وهي ظاهرة سجلها الإنسان منذ آلاف السنين ، قال تعالى : ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ) ( التوبة : 36 ) وقال تعالى : ( وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) ( يّس : 39 ) وقال تعالى : ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ) ( يونس : 5 ) ولم تكن الرؤية دخيلة أو شرط في تحقق الشهر واقعاً . ولذا جعلت الرؤية في بعض الروايات مقابل التظني والرأي ، مما يعني أن المطلوب حصول العلم بدخول الشهر ، ولذا أيضاً قامت مقامها البينة أو الشياع لأنها وسائل لتحصيل العلم وكذا ما ثبت من كفاية مضي ثلاثين يوماً للحكم بدخول الشهر الجديد حتى لو لم يره أحد أو ما دل على لزوم القضاء يوماً إذا رُئي الهلال ليلة التاسع والعشرين . نعم ، اشترطوا أن يكون الهلال بمقدار قابل للرؤية عند الغروب ليكون إيذاناً بدخول الشهر لأنه مقتضى المعنى العرفي والشرعي لدخول الشهر ، والذي تبانى عليه الناس قبل مجيء الشريعة ، قال تعالى : ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ) ( البقرة : 189 ) ولا تكون مواقيت للناس إلا عندما تكون معروفة لديهم وظاهرة لهم . ولا يكفي مجرد وجودها التكويني .
--> ( 1 ) كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : ( إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، وليس بالرأي ولا بالتظني ولكن بالرؤية ) ( وسائل الشيعة : كتاب الصوم ، أبواب أحكام شهر رمضان ، باب 3 ، ح 2 ) .