السيد كمال الحيدري
21
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
بلحاظه جلَّت قدرته ، فلا يبقى سوى التحصيل بلحاظنا وهي المعرفة بوجه . وفي ذلك يقول صاحب مفتاح الغيب : ( ولما كان الحقّ سبحانه من حيث حقيقته في حجاب عزّه ، لا نسبة بينه وبين ما سواه ، كان الخوض فيه من هذا الوجه والتشويق إلى طلبه تضييعاً للوقت وطلباً لما لا يُمكن تحصيله ولا الظفر به إلّا بوجه جُملي ) « 1 » . ولعلّ في قوله تعالى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ ( آل عمران : 30 ) إشارة لذلك ، ولذلك فالمعرفة بلحاظ العارف أو بوجه جُملي دأب المُحصِّلين . وفي ذلك يُضيف ابن الفناري بأنَّ : ( العلم الإلهي الشرعي المسمّى علم الحقائق ، هو العلم بالله الحقّ تعالى من حيث ارتباطه بالخلق وانتشاء العالم منه بحسب الطاقة البشرية . . . لا من حيث هو ، لأنه من تلك الحيثية غنيّ عن العالمين لا تناله إشارة عقلية أو وهمية ، فلا عبارة عنه ، فكيف يبحث عنه أو عن أحواله . . . ؟ ) « 2 » . وبذلك نخلص إلى أنَّ هذه المعرفة النسبية أو الجُملية - حصولًا وحضوراً والتي هي كمال وجودي حقيقي - قاصرة عن معرفة الذات المطلقة في كمالاتها وفي كلّ صفاتها ، فيكون المناسب لطالب معرفتها هو المعرفة بوجه ، وهذه المعرفة قد أُشير إليها من خلال نفس الضمير الغائب : ( هو ) ، الذي يُشار به إلى الذات دون أن يحكي مكنونها أو تفاصيلها ، فعند الذات المقدّسة تُوضع نقطة التوقّف « 3 » ، ولأجل إنقاذ العارف من التيه السلوكي والتغييب المعرفي انتقلت
--> ( 1 ) انظر : مفتاح الغيب ، وشرحه ( مصباح الأُنس ) : ص 26 . ( 2 ) انظر : المصدر نفسه : ص 44 رقم : ( 86 / 2 ) . ( 3 ) إنَّ الضمير ( هو ) الذي يحكي الهوية الوجودية بإجمال تام إنما يُراد به التعبير عن الحقيقة الأحدية الصرفة ، قال القاساني في تفسير قوله تعالى : قُلْ هُوَ اللَهُ أَحَدٌ الإخلاص : 1 : ( هو : عبارة عن الحقيقة الأحدية الصرفة ، أي الذات من حيث هي ، بلا اعتبار صفة ، لا يعرفها إلا هو ) . انظر : تفسير القرآن الكريم ، لابن عربي : ج 3 ، ص 869 . ( منه دام ظله ) . وإنما نسب السيد الأُستاذ هذا القول للقاساني لاعتقاده بأنَّ هذا التفسير هو نفسه كتاب ( تأويلات القاساني ) لعبد الرزاق القاساني - أو الكاشاني أو القاشاني أو القاشي - تلميذ صدر الدين القنوي ، كما نبَّه لذلك بعض المُحقِّقين ، منهم الأُستاذ المعظّم جوادي آملي والأُستاذ المحقّق حسن زاده آملي ، والمُحقّق محسن بيدار فر ، ولمطالعة التفصيل انظر : منازل السائرين : ص 24 ، تعليقة رقم : ( 62 ) . .