السيد كمال الحيدري

17

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

أحصاها دخل الجنة ) « 1 » تعني بنصّ القرآن الكريم الانحصار به جمعاً وتفريقاً ، فمن نسب لنفسه اسماً أو صفة من تلك الأسماء الحسنى لا يبعد أن يكون ممَّن يُلْحِدُ فِي أَسْمَائِهِ ، وسَيُجْزَى على مَا كَان يَعْمل ، أي ما يُشرك به ، والشرك في المقام هو أن تفترض أحداً سواه يتّصف بذلك . ولا يخفى بأنَّ المراد هو الاتّصاف الذاتي ، وإلا فإنَّ المعصوم مطلقاً هو مظهر من مظاهر أسمائه « 2 » ، بل كلّ موجود هو مظهر من مظاهر أسمائه الحسنى ، وهذه المظهرية لا تعني الاستقلال الذاتي بالاسم أو الصفة ، على تفصيل يأتينا في مورده . وأما التوحيد الأفعالي فهو الذي يخلص بنا إلى أنه لا مؤثّر في الوجود إلا هو ، إما بنكتة افتقار كلّ ما عداه إليه فلا مؤثّر غيره ، وهو قول الفلاسفة ، وإما بنكتة أنه لا موجود في الوجود سواه ، فلا يُتصوَّر الغير ليكون مؤثّراً ، وهو قول العرفاء « 3 » .

--> ( 1 ) انظر : توحيد الصدوق : ص 194 ، ح 8 . أيضاً : صحيح البخاري : ج 3 ، ص 185 . ( 2 ) وأما ورد في بعض الأخبار من قبيل المرويّ عن جابر عن الإمام محمد الباقر عليه السلام أنه قال : ( إنَّ الله تعالى خلق أربعة عشر نوراً من نور عظمته . . . نحن الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملًا إلا بمعرفتنا . . . ) بحار الأنوار : ج 25 ، ص 4 ، ح 7 . فإنه محمول على ما ألفتنا النظر إليه ، وإلا فالاسم والصفة هي عين الذات المقدَّسة ، وليس لأحد أن يدَّعي ذلك ، كما عرفت . منه ( دام ظله ) . ( 3 ) لعلّ مرادهم من ذلك هو أنه لا موجود حقيقي ذاتي إلا هو ، وما عداه فهو وجود ظلّي تبعي ، أو على حدّ تعبيرهم بأنَّ ما عداه شأن من شؤونه ورشحة من فيضه ونوره ، فكلّ ما يُتصوّر دونه يكون عائداً إليه أو قابعاً في كتم العدم ، وهذا النوع من التوحيد يُمثّل أرقى معانيه فيما تقدَّم ، وهنالك معنى لا يناله إلا المقرَّبون ، وهو مقام نفي الصفات عنه ، وكلّ ما يمتّ له به من صلة ، من فعل وآثار ، بمعنى أن يكون المنظور والمقصود هو الذات نفسها ، وهو مقام من لفَّه ثوب الفناء ولم يبقَ أمامه ستر أو غطاء إلا الأخفى فيما يتعلَّق بسرّ الذات . ولعلَّ هذا ما عناه العارف المحقّق الأنصاري بقوله : ( وأما التوحيد الثالث فهو : توحيد اختصّه الله لنفسه واستحقّه بقدْره ، وألاح منه لائحاً إلى أسرار طائفة من صفوته وأخرسهم عن نعته وأعجزهم عن بثّه ، والذي يشار به إليه على ألسن المشيرين : إنه إسقاط الحدث ، وإثبات القدم ، على أنَّ هذا الرمز في ذلك التوحيد علّة لا يصحّ ذلك التوحيد إلا بإسقاطه . . . فإن ذلك التوحيد تزيده العبارة خفاءً ، والصفة نفوراً ، والبسط صعوبة - إلى أن قال - : ما وحَّدَ الواحدَ من واحدٍ * إذ كلُّ من وحَّدَهُ جاحدُ توحيد من ينطق عن نعته * عارية أبطلها الواحدُ توحيدُه إياه توحيدُه * ونعت من ينعته لاحد فمن وحَّده بفعله ورسمه يكون قد جحده بإثبات الغير في قباله ، وعليه فلا توحيد إلا بفناء الرسوم والآثار كلّها . انظر : كتاب‌منازل السائرين ، القاساني : ص 615 - 618 . .