الشيخ الأميني
302
الغدير
أو حكمة بالغة ، أو صناعة تفيد المجتمع ، أو علوم يستفيد بها البشر ، وإن كان ما في القرآن أبعد من ذلك مغزى ، وأعمق منتهى ، وأحكم صنعا ، غير أن قصر الأفهام عن مغازي القرآن الكريم ترك الناس لا يستنبطون تلك العلوم ، مع إخباتهم إلى إنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ، فالمنع عن النظر في تلك الكتب جناية على المجتمع وإبعاد عن العلوم ، وتعزير الناظر فيها لا يساعده قانون الاسلام العام كتابا وسنة . والله يعلم ما خسره المسلمون بإبادة تلك الثروة العلمية في الإسكندرية وتشتيتها في بلاد الفرس من حضارة راقية ، وصنايع مستطرفة لا ترتبطان بهدى أو ضلال كما حسبه الخليفة في كتب الفرس ، ولا تناطان بموافقة الكتاب أو مخالفته كما زعمه في أمر مكتبة الإسكندرية العامرة ، وما كان يضر المسلمين لو حصلوا على ذلك الثراء العلمي ؟ فأوقفهم على ثروة مالية ، وبسطة في العلم ، وتقدم في المدنية ، ورقي في العمران ، وكمال في الصحة ، وكل منها يستتبع قوة في الملك ، وهيبة عند الدول ، وبذخا في العالم كله ، وسعة في أديم السلطة ، فهل يفت شئ من ذلك في عضد الهدى ؟ أو يثلم جانبا من الدين ؟ نعم أعقب ذلك العمل الممقوت تقهقرا في العلوم ، وفقرا في الدنيا ، وسمعة سيئة لحقت العروبة والاسلام ، وفي النقاد من يحسبه توحشا ، وفيهم من يعده من عمل الجاهلين ، ونحن نكل الحكم فيه إلى العقل السليم ، والمنطق الصحيح . على أن الخليفة كان يسعه أن ينتقي من هذه الكتب ما أوعزنا إليه مما ينجع المجتمع البشري ، ويتلف ما فيه الالحاد والضلال ، لكنه لم يفعل ومضى التاريخ كما وقعت القصة . 95 الخليفة والقراءات عن محمد بن كعب القرظي مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ هذه الآية " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه " ( 1 ) فأخذ عمر بيده فقال : من أقرأك هذا ؟ فقال : أبي بن كعب . فقال : لا تفارقني حتى
--> ( 1 ) سورة التوبة آية 100 .