السيد كمال الحيدري
446
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
البيان الثالث : إنَّ هنالك نوع افتراق بين التعدد في الأولياء للذين كفروا وبين نفس الطاغوتية ، حيث جاءت الطاغوتية بالإفراد ، وكأنَّ الفقرة تريد أن تُوصلنا إلى حقيقة قرآنية خطرة ، وهي أنَّ التعدّد في مصداق الأولياء له جامع مشترك واحد ، وهو نفس الطاغوتية ، أو كما يُقال : الكفر أُمَّة واحدة ؛ فذلك التشرذم والتعدّد في مصاديق الأولياء عنوانهم الجامع هو الطاغوت ، بمعنى أنَّ الطاغوت اللاحق هو عينه الطاغوت السابق ، وإن تعدد مصداقه خارجاً ، فليس هنالك طواغيت ، وإنما أولياء تحت المظلّة الطاغوتية ، وعندئذ لا حاجة للقول بأنَّ : ( الطاغوت هاهنا واحد أريد به الجميع ) « 1 » ، وإن كان ذلك صحيحاً في نفسه ، إلا أنَّ ما قدَّمناه من تصوير فنّي يُغنينا عن تأويل الإفراد بالجمع . البيان الرابع : إنَّ التركيب الجملي لهذه الفقرة يختلف كثيراً عن التركيب الجملي للفقرة السابقة ، فالفقرة السابقة تبتدئ بالله تعالى وتُخبر عنه بأنه وليّ الذين آمنوا ، فلم تُقدّم على اسم الذات المقدّسة شيئاً ، وهو قوله : اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ ، في حين إننا نجد أنَّ جميع مفردات فقرة البحث قد تقدَّمت على مفردة : ( الطَّاغُوت ) ، وهذا التأخّر وذلك التقدم يُحقِّق لنا مستوى عميقاً جداً من المقابلة بينهما ، فمن مقتضيات المقابلة أن يأتي صاحب الولاية الواحدة المطلقة - وهو الله تعالى - في الصدارة ، تعظيماً له وتشريفاً ، وأن يأتي صاحب الولايات المتفرِّقة المحدودة في الذيل ، توهيناً له وتضعيفاً . البيان الخامس : ومن نكات التركيب الجملي لفقرة البحث : انفصال الذين كفروا عن أوليائهم ، بخلاف فقرة الولاية الإلهية ، حيث أضافت الذين آمنوا للولاية الإلهية ، حيث تقول : وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ ، وكلمة : الَّذِينَ اسم موصول مضاف لكلمة : وَلِيّ ، وهذه الإضافة تحكي شيئاً من الإخلاص للولي والاندكاك به ، فلا منظور سواه ، في حين تجد التباعد والتجانب بين :
--> ( 1 ) مجمع البيان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 165 . .