السيد كمال الحيدري
447
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
الَّذِينَ كَفَرُوا ، و : أَوْلِيَآؤُهُمُ ، ولهذا الافتراق والتجانب أسرار عظيمة ، نأتي على واحد منها في المقام ، تاركين التعرّض للأُخرى إلى مناسبات لاحقة . أما السرّ الأوّل فيكمن في عدم تنصّل الولي الحقّ عن مواليه ، فحكى لنا ذلك على مستوى التركيب الجملي ، فأضاف الموالي للولي بنحو مُشعر بقوّة الارتباط ، في حين إننا نجد في ذلك الافتراق بين الأولياء ومواليهم حكاية عن التنصّل والخذلان ؛ وهذه الحقيقة القرآنية التي تعكسها آية الكرسي سجَّلها لنا القرآن الكريم في موارد أُخرى ، جاءت تصريحاً لا تلويحاً ، من قبيل قوله تعالى : وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( الأنفال : 48 ) ، بل إنَّ الشيطان وهو الرمز الأكبر للطاغوتية صار مضرباً للمثل القرآني بالتنصّل عن أوليائه ، قال تعالى : كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ( الحشر : 16 ) . البيان السادس : إنَّ الطاغوتية عنوان صادق على كلّ شخص أو فكرة أو سبيل مؤدَّاه الخروج عن ولاية الله تعالى ، فعلّة الخروج عن ولاية الله سبحانه طاغوت مُتمرِّد على دواعي الفطرة للوحدة والتوحيد . ومن جملة مفردات الطاغوتية ، بحسب العرض القرآني : الهوى ؛ لقوله تعالى : أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ( الفرقان : 43 ) ، والهوى النفسي يجتمع مع العلم والجهل معاً ، أما مع الجهل فمعلوم ، وأمّا مع العلم فلقوله تعالى : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ( الجاثية : 23 ) ؛ وكأنَّ الذين يضلّون على علمٍ تتأصَّل في قلوبهم الشبهات بنحو لا تُرجى لهم عودة ، فهم : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ( البقرة : 18 ) .