السيد كمال الحيدري
441
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
المؤمنين اختصَّهم الله تعالى بنفسه دون سواهم . ويُمكن القول أيضاً بأنَّ الكتاب العزيز وإن نزل لإخراج الناس من الظلمات إلى النور إلا أنَّ الذي ينتفع به هو من يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله تعالى ، فالمؤمن هو الشخص الوحيد الذي يستفيد من القرآن ومن النبي صلى الله عليه وآله ، كما هو الحال في إطلاق الهداية القرآنية في قوله تعالى : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ . . . ( البقرة : 185 ) ، فالهداية فيه عامّة ، ولكنه في قوله تعالى : ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ( البقرة : 2 ) ، يخصّ الهدى بالمُتّقين ، وجوابه هو ما تقدَّم من أنَّ المهتدي الحقيقي هو المُنتفع بالقرآن الكريم ، وهو المُتقي تحديداً ، أو قل إنَّ المُتقي هو الإنسان الحقيقي المُستحقّ للخطاب ، وكأنَّ غير المُتقّي ليس بإنسان ، وفي ذلك يقول الفخر الرازي : ( ولو لم يكن للمتقي فضيلة إلا ما في قوله تعالى : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ، كفاه ، لأنه تعالى بيَّن أنَّ القرآن هدى للناس في قوله : شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لّلنَّاسِ ، ثم قال ههنا في القرآن إنه هدى للمتّقين ، فهذا يدلّ على أنَّ المتقين هم كلّ الناس ، فمن لا يكون متّقياً كأنه ليس بإنسان ) « 1 » ، فيكون مفاد قوله : ( هُدى للناس ) هو نفس مفاد : ( هُدى للمُتّقين ) ، لأنَّ الناس الحقيقيين هم المتّقون لا غير ، أو قل إنَّ المُخاطبين من الناس هم المُتّقون منهم ، فلا تنافي في البين . جدير بالذكر أنَّ لهذا المعنى جذوراً قُرآنية ، فالقرآن الكريم يصف أهل الشرك والنفاق والضلالة بأنهم مجرّد حيوانات لا تفقه شيئاً ، بل هم أسوأ حالًا منها ، قال تعالى : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ( الفرقان : 44 ) ، فالأنعام فاقدة للعقل فيُبرَّر لها
--> ( 1 ) التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) : ج 2 ، ص 22 . .