السيد كمال الحيدري

432

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

لازال أسيراً للطاغوت ، وهذا واضح ، ومن هنا يتضح لنا سرٌّ آخر للتعبير عن الظلمات بصيغة الجمع ، فإنَّ الظلمات بمستوى من الكثرة ما يعسر علينا حصرها ، ولكنَّ أهمّها حاكمية الطواغيت الخارجة عن إطار النفس ، والخروج منها خروج حقيقي له مقامه ، ولكنَّ هنالك طاغوتاً أكبر يُواجه الإنسان في جميع الميادين ، لا يفتر لحظة ولا ييبس عوده ، وهو طاغوت النفس . أما جواب الإشكال على المستوى الثاني ، فإنَّ المؤمنين مشمولون بالإخراج أيضاً ، بل هم أولى بديمومة الإخراج لهم ، ويُمكن توضيح ذلك من خلال زاويتين ، الأُولى ما انتهينا إليه من الإشارة إلى طاغوت النفس ، فالمؤمن الحقيقي كافر بالطاغوت الخارجي والداخلي معاً ، ولكنه في صراع مستمرّ مع الطاغوت الأكبر ، طاغوت النفس ، لاسيَّما للسواد الأعظم من المؤمنين الذين لم يصلوا إلى مقام العصمة ، فهم في عرضة من زيغ النفس وتسويلاتها ، فهنالك وسوسة شيطانية خالصة ، وأُخرى وسوسة نفسانية مُلوّثة ببراثن وتركات الشيطان ، فكلّما دخل في وسوسة احتاج الأمر إلى الإخراج من ذلك ، وما دام هو في ولاية الله تعالى فهو مشمول بعملية الإخراج . ويُمكن أن يُجاب عن الإشكال بأنَّ كل مرتبة إيمانية تعلوها مرتبة أُخرى أكمل وأشرف ، فتكون المرتبة الدانية بالنسبة للعالية ظلمة ، وتكون العالية بالنسبة للدانية نوراً ، فيكون إخراج المؤمن من المرتبة الدانية للعالية إخراجاً من ظلمة إلى نور ، وحيث إنه في حالة إخراج مستمرّة فهو في حالة إخراج من ظلمات المراتب السابقة إلى مراتب النور اللاحقة ؛ وهذا المعنى جذوره قرآنية محضة ، فالقرآن يأمر الذين آمنوا بالإيمان تارة وبالتقوى تارة أُخرى ، ويصف أهل الكهف بالإيمان ثم يقول : وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ، وما ذلك إلا فرع مراتبية الإيمان ، وبتبعه مراتبية الإخراج أيضاً . ويُمكن أن يُقال أيضاً : بأنَّ الإيمان قياساً للمعارف الإلهية الإسلامية