السيد كمال الحيدري
428
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
الصالح والصحيح ، فالأوّل له أثره الدنيوي والأُخروي بخلاف الآخر فإنه خلو من الأثر الأُخروي ، فلا يُطلب له أجر ، ولعلّ هذا المعنى هو من وجوه قوله تعالى : وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثوراً ( الفرقان : 23 ) . قال السيوطي : ( وَقَدِمْنَا عمدنا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ ، من الخير كصدقة وصلة رحم ، وقرى ضيف وإغاثة ملهوف في الدنيا فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثوراً ، هو ما يرى في الكُوى التي عليها الشمس كالغبار المفرَّق ، أي : مثلُه في عدم النفع به ، إذ لا ثواب فيه لعدم شرطه ويجازون عليه في الدنيا ) « 1 » . فالعمل لا ينفع صاحبه في الآخرة إلا إذا توفر في فاعله الإيمان بالله والإخلاص له . ثم إنَّ النور الداخلين فيه قد يُراد به الله سبحانه وتعالى ، بمعنى انفتاحهم على ساحة الفيض الإلهي والنور الربَّاني للتزوُّد بالكمالات الإلهية ، فالله تعالى نور بنصٍّ منه ، قال تعالى : اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . . . ( النور : 35 ) . وقد يُراد به : ( نور الهدى والإيمان ، لأنَّ الضلال والكفر في المنع من إدراك الحقّ ، كالظلمة في المنع من إدراك المبصرات ) « 2 » . وقد يُراد به نفس الإسلام ، لقوله تعالى : أَفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ . . . ( الزمر : 22 ) . وقد يُراد به نور النبوّة نفسها ، لأنَّ الغالب على الداخلين الإسلام هو معرفتهم المسبقة بالله تعالى ، وأنه خالق الخلق ، لكنَّهم أنكروا أن يكون له رسول مُرسل ، فحُرموا من فيض النبوّة ونورها ، فيكون الخارج من الظلمات داخلًا في نور النبوَّة . وهنالك بعض الدلائل القرآنية على نورية النبي صلى الله عليه وآله ، كقوله تعالى : قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ( المائدة : 15 ) .
--> ( 1 ) تفسير الجلالين : ص 473 ، رقم : 23 . ( 2 ) مجمع البيان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 164 . .