السيد كمال الحيدري
422
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
فئة الكافرين ؟ . فإما أن نلتزم بانحصار ولايته بالمؤمنين فيخرج ما عداهم عن ولايته وسلطانه ، أو ننفي الانحصار بولايته المطلقة على الجميع بمقتضى عليَّته للوجود وديمومته . والجواب : إنَّ القرآن الكريم ينفي دعوى الانحصار ، أو دعوى خروج غير المؤمن عن ولايته ، بل إنه يستنكر ذلك بشدّة ، وهو قوله تعالى : أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ . . . ( الشورى : 9 ) ، والضمير العائد إليه بنكتة الإخبار عنه بالمعرَّف بالألف واللام يدلّ على الحصر ، أي : لا وليّ إلا هو سبحانه ، ثم قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الحَمِيدُ ( الشورى : 28 ) ، الظاهر في انحصار الولاية به سبحانه ، وعليه فما هو وجه انحصار المولَّى عليهم في المؤمنين في ما جاء في فقرة البحث ، وهو انحصار غير موافق لقيُّوميته وسلطانه المطلق ؟ وجوابه : إنَّ هنالك ولايتين إلهيتين ، الأُولى تعمّ الخلق بأسره ، بمقتضى حاكميته وقيُّوميته المطلقتين في الوجود ، وهذا النوع من الولاية الحاكمة لا يُسثنى منه أحد ، وبحسب التعبير : . . . وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ( يونس : 61 ) ؛ وهنالك ولاية أُخرى خاصَّة بالمؤمنين ، ولاية لها حيثية تعليلية محدّدة ، وحيثيتها التعليلية في المقام هي نفس الإيمان ، لذلك تقول الفقرة : ( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ ) ، وهي بقوّة قولنا : الله وليّ لنا إن كنّا مؤمنين ، فهي ولاية ذات حيثية تعليلية خاصّة وليست مطلقة « 1 » ، فالإيمان هو العلّة والسبب الحقيقي في
--> ( 1 ) يرى الأُصوليون أنَّ هنالك فرقاً مهماً بين الحيثية التعليلية والحيثية التقييدية ، فالحيثية التعليلية ترجع إلى الواسطة في الثبوت ، في حين إنَّ الحيثية التقييدية ترجع إلى الواسطة في / / في العروض . انظر : أجود التقريرات ، للسيد الخوئي : ج 1 ، ص 498 - 499 . ويُمكن التمثيل للحيثيتين بما يلي : إذا ورد دليل شرعي بلسان : ( الماء إذا تغير تنجّس ) ، فهمنا أنَّ التغيَّر اتخذ حيثية تعليلية ، وإذا ورد بلسان : ( الماء المتغيِّر متنجس ) ، فهمنا أنَّ التغيّر حيثية تقييدية ، وعلى وزان ذلك : ( قلّد فلاناً إن كان عالماً ) ، ففيه العلم حيثية تعليلية ، و : ( قلّد العالم ) ، فيه العلم حيثية تقييدية ، وهكذا . انظر : دروس في علم الأصول ، للسيد الشهيد محمد باقر الصدر : ج 3 ، ص 172 . .