السيد كمال الحيدري
42
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
وفي رواية أنه قد سُئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن حالة لحقته في الصلاة حتى خرَّ مغشيّاً عليه ، فلما سري عنه قيل له في ذلك ، فقال عليه السلام : ( ما زلت أُردّد الآية على قلبي وعلى سمعي ، حتى سمعتها من المتكلِّم بها ، فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته ) « 1 » ، فما كان ليسمعها من قائلها لولا السُّلَّمية القرآنية في مجالها المعنوي ، الذي تنتهي عنده جميع الآفاق المعرفية الأُخرى ، فتكون الآفاق السابقة عليها محطّات تمهيدية ارتقائية لغير أهل العصمة عليهم السلام ، يطويها مَن أكمل سيره الأوّل وبلغ من سفره الثاني مبلغاً يُؤهّله لاستشراف إشراقات الحقيقة بما يسمح له مقامه وكماله « 2 » ، وذلك كلّه إن أدركه الصحو بعد المحو ، وإلا غاب في ظلّ الحقيقة : لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ( الأنفال 44 ) ، وأما أهل العصمة من أهل البيت عليه السلام ، فقد اندكَّت ذواتهم المقدَّسة بالحقيقة ، وصاروا مظهراً لها « 3 » ، ولا ينبغي الإغفال عن ذلك ، وأما بالنسبة للمؤمنين الذين تملَّكهم الإيمان ، وساروا في أُفق المعنى ، فقد ورد فيه في خبر عن ابن مسعود قال : ( لما نزلت هذه الآية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ . . . ( التحريم : 6 ) ، تلاها رسول الله صلى الله عليه وآله على أصحابه فخرَّ فتى مغشياً عليه ، فوضع النبي صلى الله عليه وآله يده على فؤاده فوجده يكاد يخرج من مكانه ، فقال : يا فتى قل لا إله
--> ( 1 ) التفسير الصافي ، للفيض الكاشاني : ج 1 ، ص 73 . ( 2 ) في السير المعنوي تُوجد أسفار أربعة ، وهي : الأول : سفر من الخلق إلى الحقّ ، والثاني : سفر من الحقّ إلى الحقّ بالحقّ ، والثالث : سفر من الحقِّ إلى الخلق بالحقِّ ، والرابع : سفر من الخلق إلى الخلق بالحقّ . وللوقوف على المسألة يُراجع كتاب : من الخلق إلى الحق ، للسيد الحيدري . ( 3 ) روى الكليني عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ : وَلِلهِ الأَسْمَاء الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا لأعراف : 180 ، قال : نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملًا إلا بمعرفتنا ) . أُصول الكافي : ج 1 ، ص 143 ، ح 4 . .