السيد كمال الحيدري

419

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

قلنا : بأنَّ القرآن يُثبت ذلك للأنبياء وغير الأنبياء أيضاً ، فإحياء الموتى من قبل إبراهيم وعيسى عليهما السلام بإذن منه تعالى يُمثّل سلطة تكوينية واضحة ، ومجئ آصف بن برخيا - وصيّ سليمان النبي - بعرش بلقيس بلمحة بصر ، قد عجز عنها عفريت من الجنّ ، وهو قوله تعالى : قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي . . . ( النمل : 39 - 40 ) ، فهل أحيى إبراهيم وعيسى الموتى بالحبّ والنصرة ؟ وهل خلق عيسى عليه السلام من الطين كهيئة الطير ونفخه فيه ليكون طيراً حقيقياً ، وإشفاؤه للأكمه والأبرص ، وإخباره بما يأكل الناس وما يدَّخرون « 1 » ، هل كان ذلك منه بمجرّد الحبّ أم أنه كان يتمتَّع بولاية تكوينية مكّنته من ذلك ، وهي الولاية العرضية ، أي : بإذن منه تعالى . جدير بالذكر أنَّ آصف بن برخيا تمكَّن من جلب عرش بلقيس لحيازته على حرف واحد من حروف الاسم الأعظم ، فكيف بمن حاز النصيب الأوفر منه ؟ فمن الواضح جداً أنه بقدر الحيازة تكون السيادة الكمالية ، وفي ضوء هذه الحيازة من حروف الاسم الأعظم نُفسِّر سرَّ سيادة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله على سائر الأنبياء والمرسلين ؛ وهذه الحيازة لم تقتصر عليه

--> ( 1 ) وهو قوله تعالى : وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . آل عمران : 49 . وقد أجمع المفسّرون على كون المراد من الرسول هو نبي الله عيسى عليه السلام ، وليس مصداقه عيناً مهمّة البحث ، وإنما وجود مصداق ما لذلك ، فالآية تُخبر عن رسول من بني إسرائيل وليس من الملائكة كانت له تلك السلطة التكوينية . منه ( دام ظله ) . .