السيد كمال الحيدري
418
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
مختصَّة بالله تعالى ، وولاية الحبّ والنصرة والتعاون ، وهي الولاية القائمة بين المؤمنين . وجوابه باختصار - وسيأتي تفصيله في تفسيرنا الموضوعي للآية - أنَّ هنالك خلطاً واضحاً في فهم الولاية التكوينية وحدودها ، فإن كان المراد منها القدرة على التصرّف بنحو التفويض المعتزلي ، فما أشكل فيه صاحب المنار صحيح ، فإنَّ الله تعالى لا يُشاركه أحد في سلطته التكوينية الخاصّة به ، وإن كان المراد منها منح القدرة على التصرّف بإذن منه تعالى ، فهذا ما لا مانع عقلي ولا نقلي منه ، بل هو واقع منذ الخلقة وإلى يومنا هذا ، والنصوص القرآنية حافلة بذلك . فممَّا لا ريب فيه أن دور الملائكة في الخلق دور تكويني ، وأن لهم ولاية تكوينية بمعنى التصرّف في الخلق ، ولكن ليس على نحو التفويض الاستقلالي أو النسبي ، وإنما بإذن إلهيّ خاصّ بهم ، والذي يكون في معنى المظهرية والتجلّي للقدرة الإلهية ، لا في معنى المظهرية لقدرة الغير ، من قبيل قوله تعالى : وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ( النازعات : 1 - 5 ) . فهذه الأوصاف والأعمال الكثيرة التي تقوم بها الملائكة وجودية تكوينية ، فمنها ما تنزع أرواح الكفار بشدّة ، ومنها ما تسلّ أرواح المؤمنين برفق ، ومنها ما تدبّر أمر الدنيا ، ولكن بإذن منه ، فالملائكة عباد مطيعون : . . . لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ( التحريم : 6 ) ، ولا يُوجد في المسلمين من ينكر هذا الدور الملائكي في حركة الوجود الإمكاني ، ولعلّ صاحب المنار لا ينفي ذلك أبداً ، وإنما قد اشتبه عليه المراد من هذه الولاية التكوينية ، فظنّها - وهو الأشعري - ولاية بالمعنى المعتزلي المرفوض له ولنا أيضاً . فإن قيل : بأنَّ الكلام يدور حول الإنسان وليس الملائكة ، ونفي الولاية التكوينية بخصوصه لا بخصوصها .