السيد كمال الحيدري
414
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
اتّخاذهم أولياء لنا ، وهذا واضح وجليّ ، ولكن هل يُراد بعدم التولّي لهم قطع كافّة الاتصالات بهم ؟ هل يعني ذلك أن نكفَّ حتى عن تقديم العون الإنساني لهم ؟ وأن نعمل على قتالهم وتخليص الأرض منهم ؟ هل معنى ذلك أن لا نهتمّ لأمرهم ، ولا نسعى لخلاصهم ؟ وبمعنى أعمق : هل يشمل ذلك الحبَّ والمودّة لهم ؟ فمن كان أبواه كافرين أو غير مسلمين هل يُؤثم على مودّتهما وتواصله معهما ؟ وغير ذلك من العلاقات الاجتماعية والروابط الأُسرية . لا ريب بأنَّ كثيراً ممَّا ذكرنا لا صلة له بتولّيهم ، بمعنى أنَّ مساعدة فقيرهم ، وعلاج مريضهم ، والعمل على هدايتهم ، ومودّة الأقرباء منهم ، لا يُشكِّل خروجاً عن ولاية الله تعالى ، فذلك غير مشمول بنصوص النهي عن ولاية الكافر ، لأنها ليست تولّياً لهم . وهنالك شواهد تأريخية كثيرة جدّاً تدعم ذلك ؛ ولعلّ من أعظم وأعمق النصوص الروائية الواردة في ذلك قول أمير المؤمنين عليّ في عهدٍ كتبه لواليه على مصر مالك الأشتر ، يقول فيه : ( . . . وأشعر قلبك الرحمة للرعية ، والمحبّة لهم ، واللطف بهم ، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أُكلهم ، فإنهم صنفان ، إما أخ لك في الدين ، وإما نظير لك في الخلق ، يفرط منهم الزلل ، وتعرض لهم العلل ، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ ، فأعطهم من عفوك وصفحك ، مثل الذي تحبّ أن يعطيك الله من عفوه وصفحه ، فإنك فوقهم ، ووالي الأمر عليك فوقك ، والله فوق من ولّاك ) « 1 » . ويكفينا من ذلك قوله : ( وأشعر قلبك الرحمة للرعية ، والمحبّة لهم ، واللطف بهم ) فإنه غير مقصور على المسلمين البتّة ؛ بقرينة قوله : ( وإما نظير لك في الخلق ) .
--> ( 1 ) نهج البلاغة : ج 3 ، ص 84 ، تعليق الشيخ محمد عبده . .