السيد كمال الحيدري

415

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

ومن ثمّ يثبت لدينا أنَّ توليهم شيء والعمل معهم أو التعاطي معهم شيء آخر ، فالمراد من تولّيهم هو الخضوع لهم والعمل على نصرتهم وتحقيق أهدافهم المغرضة ، كما حال كثير من الحكَّام وولاة أُمور المسلمين في أصقاع الأرض ، الذين دأبوا على الدفاع عن أهداف الغرب ومصالحه ، على حساب ديننا ومجتمعنا ، فذلك منهيّ عنه جزماً ، ومن الواضح بأنَّ أتباع الطاغوت ليسوا كلهم حكَّاماً وأصحاب سطوة ونفوذ ، فكثير منهم إنسانيون من الدرجة الأُولى ، تجد الصدق عندهم والإخلاص في عملهم ، فلو قطعنا التعاطي معهم لتوقَّفت الكثير من مرافق الحياة عندنا ، وليس ذلك مربوطاً بطلب العزّة منهم ، وإنما هو التكافل الاجتماعي العامّ والتعارف والتقارب وتبادل الخبرات ، وقد قال تعالى في ذلك : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( الحجرات : 13 ) . ولذلك لا ينبغي الخلط بين مفهوم التولّي ومفهوم التعاطي ، علماً بأنَّ التعاطي له حدوده ورسومه ، وكلّها تصبّ في صالح مصالح المسلمين ، على أن تكون العزّة والمنعة للمسلمين ، وأن لا يكون التعاطي معهم من باب الإذلال لنا والمتابعة لهم ، وهذا واضح . وبالتالي فإنَّ دُعاة القتال لهم وقطع وشائجهم والعمل على التخلّص منهم لم يفقهوا من آيات القتال شيئاً ، ولم يُحيطوا بمعنى ولاية الله تعالى خبراً ، فصالوا وجالوا وألّبوا الناس علينا وبغَّضونا إليهم ، ونفَّروهم من الإسلام والمسلمين كافَّة ، فكانت الغلظة خُلقهم ، والجهالة سمتهم ، والحماقة منهجهم ، وقد قال سبحانه : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ . . . ( آل عمران : 159 ) ، والفضاضة خلق الشيطان ، فكيف لأولياء الله تعالى التخلُّق بذلك ؟