السيد كمال الحيدري
41
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
نعم ، الأفضل للقارئ الولوج في الدائرة اللاحقة بعد إغلاق الدائرة السابقة عليها ، لاسيَّما في المستوى الثالث والأخير المُفضيين للسير المعنوي ، من باب تتميم مراسم كلّ مقام « 1 » ، فإذا أتمَّ ذلك آمن على نفسه من العجلة والزيغ ، وكان الأقرب لروح النصّ ، ولكنَّ النفوس الطاهرة قد تنهض بأصحابها إلى مقامات علوية من خلال تلاوة نصٍّ واحد ، تندكُّ فيه أرواحهم فتتعلَّق بأصداء قائله ، فلا تبقى فاصلة بين القائل وبينهم سوى المقول الذي تجلَّى قائله فيه . وعلى أيّ حال ، فإنَّ البُعد المعنوي لسُلَّمية النصِّ نجدها حاضرة بوضوح في سِيَر المعصومين عليهم السلام والأولياء الصالحين ، فقد روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنه كان يُغمى عليه عند تلقّي القرآن وحياً ، لاسيَّما إذا كان التلقِّي بلا واسطة ، فعن هشام بن سالم ، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : ( قال له بعض أصحابنا : أصلحك الله ، كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : " قال جبرائيل " ، و " هذا جبرائيل يأمرني " ، ثمَّ يكون في حال أخرى يُغمى عليه . قال : فقال أبو عبد الله عليه السلام : إنّه إذا كان الوحي من الله عزّ وجلّ إليه ليس بينهما جبرائيل أصابه ذلك ، لثقل الوحي من الله ، وإذا كان بينهما جبرائيل لم يصبه ذلك ، فقال : قال لي جبرائيل ، وهذا جبرائيل ) « 2 » ، بمعنى أنَّ السُّلَّمية المعنوية للنصّ تشتدّ عند التلقّي من قائله سبحانه ، فيُبصر تجلّي الله تعالى في كلامه فلا يتمالك نفسه ، لأنَّه سابح في أُفق الروح ولا محلَّ للجسد .
--> ( 1 ) المقام هو استيفاء حقوق المراسم على التمام - أي استيفاء شروطه كافّة - ولهذا صار من شروط العُرفاء أنّه لا يصحّ للسالك الارتقاء من مقام إلى مقام فوقه ما لم يستوفِ أحكام ذلك المقام . فمن كان لا قناعة له لا يصحّ أن يكون متوكّلًا . انظر : لطائف الأعلام في إشارات الإلهام ، للشيخ العارف عبد الرزّاق الكاشاني : ص 546 . وللوقوف على ذلك يُراجع كتاب : معرفة الله ، الجزء الأول منه ، تحت عنوان : ( مراتب الحبّ الإلهي ) . ( 2 ) حلية الأبرار ، للبحراني : ج 1 ، ص 78 . .