السيد كمال الحيدري

393

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

يتدرَّج بنا من النتائج الدنيوية إلى النتائج الأُخروية ، أو قل : من العاجل إلى الآجل ، في صورة ثنائية تنطلق من أعلى سقف في السُّلَّم الكمالي ، وهو الولاية الإلهية ، إلى أدنى سقف في التسفُّل البشري وهو ولاية الشيطان ، وكأنها تُحاكي سقفي الوجود ، الوجود الحقيقي بأشرف معانيه ، والوجود الاعتباري بأخسّ معانيه ، ليجد الإنسان العاقل المُختار نفسه أمام أهمّ وأخطر مُفترق طرق ، فيختار لنفسه ما يُريد بعد أن تبيَّن له الرشد من الغيّ ، وافترق أمامه الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ، فمن أسعفته سعادته كان من الفائزين ، ومن غلبته شقوته كان من الخاسرين ، والشقي من أهمل أمر آخرته ، ولم يستوثق ليوم معاده ، ذلك الذي لم يستجب لنداء فطرته ، القاضي بدين التوحيد ، وفيه يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام : ( فمن يتبع غير الإسلام ديناً تتحقّق شقوته ، وتنفصم عروته ، وتعظم كبوته ، ويكون مآبه إلى الحزن الطويل والعذاب الوبيل ) « 1 » . والحقّ واحد لا يتثنَّى ، وهو مُستودع السعادة ، كما أنَّ الكفر أُمَّة واحدة مهما اختلفت مراتبه ، وهو مُستودع الشقاء ، وهما معاً أمران يُقرِّرهما الإنسان بقوله وفعله ، وظاهره وباطنه ؛ قال تعالى : وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ . . . ( الكهف : 29 ) ، و : إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ( الإنسان : 29 ) ، ولا ينبغي للعاقل أن يختار على الجنَّة شيئاً ، وكما جاء في الأثر عن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام في وصية طويلة لهشام بن الحكم : ( وإنَّ أعظم الناس قدراً الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطراً ، أما إنَّ أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة ، فلا تبيعوها بغيرها ) « 2 » .

--> ( 1 ) نهج البلاغة : ج 2 ، ص 61 ، رقم الخطبة : 161 ، تعليق الشيخ محمد عبده . ( 2 ) الأصول من الكافي ، للكليني : ج 1 ، ص 19 في ذيل حديث 12 . والخطر هو : الحظ والنصيب والقدر والمنزلة . قال المازندراني : ( قيل : وفي جعل الجنة ثمن / / الأبدان إشارة إلى أنَّ ثمن النفوس المجرّدة هو الله تعالى فكأنه عليه السلام قال : أما إنَّ أبدانكم ثمنها الجنة فلا تبيعوها بغيرها وأما نفوسكم المجرّدة وأرواحكم القدسية فإنما ثمنها هو الله سبحانه والفناء المطلق فيه ، وفي مشاهدة الوجه الكريم فلا تبيعوها بغيرها ) . شرح أصول الكافي ، للمازندراني : ج 1 ، ص 185 . .