السيد كمال الحيدري
392
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
هو الجنة ، وجزاء الكافر هو النار . ثانياً : وهي نكتة تكمن في إبراز وتوكيد الإستراتيجية القرآنية في التعاطي مع الطبيعة الإيمانية على أنها هي الأصل ، وأنَّ الكفر هو مجرد حالة عارضة ، فاستعرض الطبيعة الإيمانية أوّلًا ، وهو قوله : اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ ، مُقدِّماً إيَّاها على الحالة العارضة ، وهو قوله : وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ، وكُنَّا قد أشرنا في أكثر من مورد في هذه الدراسة القرآنية وغيرها إلى حقيقة تكوينية موجودة في أصل الخلقة ، وهي فطرية المعرفة الإلهية ، وأنَّ القرآن الكريم وجميع الكتب السماوية ، ورسالات الأنبياء أجمعين لا تُؤدّي وظيفة التأسيس في مجال معرفة الله تعالى وتوحيده ، وإنما وظيفتها إثارة دفائن العقول في هذه الموارد ، على حدِّ تعبير أمير المؤمنين علي عليه السلام « 1 » ، وفطرية المعارف الإلهية العليا المُسمَّاة بدفائن العقول تدخل في منظومة ثبوت الشيء لا في منظومة ثبوت شيء لشيء ، لأنها صبغة الإنسان وأُسُّ وجوده . ثالثاً : وأما النكتة الثالثة فتكمن في كون هذا المقطع قد صرَّح بالمصير الحتمي لأصحاب الحالة العارضة ، وهو المصير إلى النار والخلود فيها ، وهو قوله : أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ، ولم يُصرَّح بمصير أصحاب الطبيعة الإيمانية ، ولذلك أسباب وتوجيهات عديدة سنقف عندها في تفصيلات بحوثنا التجزيئية لهذا المقطع الأخير ، وهذا التصريح بشيء والسكوت عن شيء آخر مُتعلِّقان بعالم الآخرة ، فالمقطع الثالث يبدأ ويتحرَّك في ميدان الحياة الدنيا ، لينتهي بنا إلى ميدان الحياة الآخرة ، وبعبارة أُخرى : إنه
--> ( 1 ) ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في خطبة له : ( فبعث فيهم رسله ، وواتر إليهم أنبياءه ، ليستأدوهم ميثاق فطرته ، ويذكّروهم منسيَّ نعمته ، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ ، ويثيروا لهم دفائن العقول ) . نهج البلاغة : ج 1 ، ص 23 ، تحقيق وتعليق الشيخ محمد عبده . .