السيد كمال الحيدري
375
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
وعليه فإنَّ الانقياد والتسليم لما أتى به الأنبياء والأولياء صلوات الله عليهم والتعويل على الفؤاد هو سبيل النجاة من جميع معاني ومصاديق الطاغوت ، ويكون الاستمساك بالعروة الوثقى إشارة إلى هذا الانقياد والتسليم والمتابعة للأنبياء والأولياء عليهم السلام والتعويل عليهم في أمر الدين « 1 » ، وهذا التعويل تتعمَّق أهمّيته وجدواه في كونه يُمثّل إستراتيجية عملية لحركة الإنسان في سلَّم الكمالات الإلهية ، لأنه يُمثّل تمسُّكاً بالعروة الوثقى لا انقطاع له البتّة ، وهذا ما يُشكِّل ضمانة حقيقية للإنسان ، بخلاف ما عليه الحال في السير الطاغوتي ، فإنَّ صاحبه موتور في الدنيا والآخرة ، فالكلّ سيبرأ منه ، حتى الشيطان نفسه ؛ قال تعالى : كَمَثلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ( الحشر : 16 ) ، ولا تنفع دعوى إلقاء الذنب على الطاغوت ، فالتابع والمتبوع في مصير مشترك ، وهو النار ، قال تعالى : . . . كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَّا تَعْلَمُونَ ( الأعراف : 38 ) . إذن لا هداية إلا بالتمسّك بالعروة الوثقى ، ولا ضمانة في ديمومة ذلك إلا بها ، فإنها ليست عروة فحسب ، وإنما هي وثقى ، أي : لا انفصام لها ، وهذا كاشف عن كونها تعبيراً حقيقياً عن نيل الكمالات الإلهية التي تتحرّك باتجاهها الفطرة ، فيكون مؤدَّى : ( فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ ) هو التمسّك بالكمالات الإلهية التي لا انقطاع لها ولا انطفاء ، فهي مطلقة من حيث الوجود وغنيّة من حيث الذات ، فمن أين يكون الانفصام والانقطاع بعد التمسّك بالغنيّ المطلق ؟ وبالتالي فإنَّ الحفظ الحقيقي إنما يكون بالله تعالى ، والهلاك الحقيقي إنما يكون بالطاغوت .
--> ( 1 ) انظر : تفسير القرآن الكريم ، صدر المتألهين : ج 4 ، ص 223 . ( بتصرف ) . .