السيد كمال الحيدري
369
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ . . . ( الأنفال : 60 ) ، وهذه العملية الوقائية عملية عقلائية تحفظ للأُمّة مستقبلها . المستوى الثالث : مواجهة الطاغوت في عقر داره ، وهنا تكمن القوّة الحقيقية ، فطريق ذات الشوكة لا يقتصر على طرد الطاغوت أو إيقاف زحفه ، وإنما جعله في خوف ورعبٍ منّا ، ولقد اكتسب الإسلام في الصدر الأوّل هيبة عظيمة في حركته الجهادية على المستوى الثالث ، هذا المستوى الذي نكصت الأمّة الإسلامية عن سلوكه ، بل إنها نكصت حتى عن المستوى الأوّل فضلًا عن الثاني ، دونك الغالب من البلدان العربية والإسلامية ، التي لا زال الكثير منها يُحرَّك سياسياً واقتصادياً وفكرياً وثقافياً من الطواغيت . إنَّ مواجهة الطاغوت في عقر داره تُحقِّق لنا ثمرات المستويين الثاني والثالث ، فهو عملية وقائية أيضاً ، وقد ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام كلمة نفيسة في ذلك ، حيث يقول : ( اغزوهم قبل أن يغزوكم ، فوالله ما غُزي قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا ، فتواكلتم وتخاذلتم حتى شُنّت عليكم الغارات ومُلكت عليكم الأوطان ) « 1 » ، وهذه الكلمة تدلّ على أنَّ الطاغوت لن يكفَّ عن محاولات الإيقاع بالأُمّة ، ولو كفَّ عن ذلك ما عاد طاغوتاً ، فالشيطان لا نطرق أبوابه ، وإنما هو المُباشر دائماً بطرق أبوابنا ، وهذا ما يجعلنا ضعفاء ، ولنتأمَّل في قوله عليه السلام : ( فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنّت عليكم الغارات وملكت عليكم الأوطان ) ، ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وآله يرفض مقولة مشركي قريش الذين طلبوا منه أن يكفَّ عن تسفيه آلهتهم وعبادتهم لها ، مقابل أن يتركوه وما يعبد . نعم ، رفض ذلك ، لأنَّ التوحيد ينفي ما عداه ، ولأنه مأمور بأن يكفر بالطاغوت لا أن يسكت عنه .
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، تحقيق الشيخ محمد عبده : ج 1 ، ص 68 . .