السيد كمال الحيدري

370

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

إذن فإنَّ الكفر بالطاغوت والإيمان بالله تعالى يدعونا للعمل على المستويات الثلاثة ، وهي مراتب طولية . ولو طالعنا سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله نجده ابتدأ بتطهير المدينة ومكّة من الطواغيت ، ثمَّ أرسل دُعاته إلى أرجاء العالم ، فراسل قيصر في بلاد الروم ، وكسرى في بلاد فارس ، والمقوقس ملك الأقباط في مصر ، ولّمَّا أبوا عليه وتمسَّكوا بطاغوتيتهم شرع بغزوهم في قعر دارهم ، فأوعز لأُسامة بن زيد بأن يخرج في سرية لحرب الروم في الشام ، ولم يكن ذلك طمعاً في أموالهم وأراضيهم ، وإنما كان سعياً منه صلى الله عليه وآله لتخليص الأرض من طواغيتها من جهة ، ولوقاية الإسلام من تأثيراتهم من جهة أُخرى . قوله تعالى : ( فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثقَىَ لَا انفِصَامَ لَهَا ) قبل الدخول في بيان حقيقة العروة والوثقى ومعنى التمسّك بها لابدَّ من الإجابة عن إشكال أورده البعض حول مضمون الفقرة السابقة وهذه الفقرة ، حيث أدُّعي أنَّ مجموع الفقرتين يُشكِّل قضية شرطية ، والقضية الشرطية لا يُستفاد منها الإلزام والوجوب ، غاية ما تتضمّنه هو الأمر الإرشادي لا المولوي ، بمعنى أنَّ الآية لم تقل : عليكم أن تكفروا بالطاغوت وتُؤمنوا بالله تعالى لكي يصدق التمسّك بالعروة والوثقى ، وإنما قالت : فمن يكفرْ ؛ فأُخذت القضية بنحو الشرط ، وبالتالي لا يُوجد أمر مولوي بالكفر بالطاغوت والإيمان بالله تعالى . فتكون المُحصِّلة : أنَّ للإنسان حقّ الاختيار ، فإن شاء التمسّك بالعروة الوثقى فعليه الكفر بالطاغوت والإيمان بالله تعالى ، ومن لم يشأ فلا يجب عليه شيء . والجواب من ثلاث جهات ، هي : الجهة الأُولى : من قال بأنَّ القضية الشرطية لا تدلّ على الأمر المولوي ،