السيد كمال الحيدري
368
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
ولهذا التقديم والتأخير آثار سلوكية مهمّة ، فقد أجمعت المدارس الأخلاقية على تقديم التخلية على التحلية ، والتخلية في المقام لها صلة وثيقة بالتبعات الطاغوتية ، كما أنَّ للتحلية صلة وثيقة بالإيمان بالله تعالى والتمسّك بعروته الوثقى ، فشرط التحلية بالأخلاق الحميدة التخلّي عن الأخلاق الذميمة ، وبعبارة أُخرى : إنَّ شرط التحلية هو رفع المانع ، ورفع المانع يكمن في حصول التخلية ، ومن الواضح بأنَّ المانع ما دام موجوداً فالمقتضي لا يظهر أثره ، أو قل هو موقوف عن قبول الفيض . جدير بالذكر أنَّ لتقديم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله تعالى صلة وثيقة بموضوعة التولّي والتبرّي ، والتي سنقف عندها في تفسيرنا الموضوعي للآية ، لإثبات توقّف التولّي على التبرّي وليس العكس . مستويات المواجهة مع الطاغوت إنَّ المواجهة مع الطاغوت عادة ما تأخذ ثلاثة مستويات ، وهي : المستوى الأوّل : رفع الطاغوتية عن بلاد المسلمين ، فهنالك مساحات غير قليلة من البلاد الإسلامية يحكمها الطاغوت ، فكراً وثقافة وسياسة واقتصاداً ، وقد يكون هنالك نوع تفاوت في اجتماع هذه المفردات وافتراق بعضها ، إلا أنَّ كلّ واحدة منها تحقّق مفهوم الهيمنة الطاغوتية ، وهذا على مستوى الأُمّة ، وأما على مستوى الفرد فيكمن في حدود متابعة الإنسان في حركته الفردية للقيم الغربية على المستويات كافّة ، فإحلال القيم الغربية محلّ القيم الإسلامية هي متابعة للطاغوت ، بل هو أمر يُقارب عملياً الكفر بالله تعالى والإيمان بالطاغوت . المستوى الثاني : دفع الطاغوتية عن بلاد المسلمين ، بمعنى إعداد العدّة الدائمة لمواجهة الطاغوت ، لأنَّ الطاغوت قد يُطرد ولكنه لا يكفّ عن محاولاته في الهيمنة على مقدَّرات الأُمّة والإنسان ، وبالتالي لابدَّ من إيجاد درعٍ رادعٍ وواقٍ من أطماع الطاغوت ، وهذا ما أشارت له الآية الكريمة : وَأَعِدُّواْ