السيد كمال الحيدري
365
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ . . . ( البقرة : 285 ) ، والإيمان بالرسل مفاده الإيمان بجميع تعاليمهم ووصاياهم وما جاؤوا مُبشِّرين به ومُنذرين ، فيلزم من ذلك ضرورة الإيمان بكافّة الأُصول والعمل بكافّة الفروع ، وإنما اختصر ذلك كلّه بالإيمان بالله تعالى لأنَّ كلَّ أصل من أُصول الدين وكلّ فرع من فروعه ينتهي عند التوحيد . بعبارة أُخرى : إنَّ كلَّ حقائق الدين والإسلام تنطلق من أصل واحد وهو التوحيد ، ولذلك فكلّ مسألة أو دعوى دينية لا تنتهي عند معرفة الله تعالى وتوحيده فذلك شاهد صدق على بطلانها ، وهذا ما دعانا لتسمية التوحيد بأصل الأُصول الدينية ، بمعنى أنَّ أُصول الدين والمذهب الأربعة ( العدل والنبوّة والإمامة والمعاد ) هي بنفسها أُصول بالقياس إلى فروع الدين ، ولكنها بنفسها فروع بالقياس إلى التوحيد ، فيكون التوحيد هو أصل الأُصول الذي لابدَّ أن تنتهي عنده كلّ حقيقة دينية ، وفي ذلك تكمن حقيقة علمية فلسفية ، فالتوحيد هو الوجود الإجمالي لجميع معارف الدين على مستوى الأُصول والفروع معاً ، وبقية الأُصول والفروع الدينية تمثّل الوجود التفصيلي لذلك الأصل ، وهذا الإجمال ليس إجمالًا أُصولياً يشوبه الإبهام ، وإنما هو الإجمال الفلسفي الذي هو في حقيقته فوق مستوى التفصيل ، فهو الوجود البسيط في قبال المركّب ، أو قل هو إحكام في قبال التفصيل ، بحسب المنطق القرآني ، في قوله تعالى : الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( هود : 1 ) ، وقد جرى القرآن الكريم على هذا المنوال ، بمعنى إرجاع كلّ الحقائق لحقيقة واحدة ، وهي الإيمان بالله تعالى وتوحيده . وبالتالي فالقرآن الكريم عندما يقول : ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ ) فإنه يُريد كلَّ ما يتعلَّق بذلك الأصل من أُصول وفروع ، أي : من علم واعتقاد وعمل وتطبيق ؛ قال صدر المُتألهين : ( وأمّا الاعتقاد بحقيقة الله فهو الإيمان