السيد كمال الحيدري

366

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

بوجوده وصفاته وأفعاله وأحكامه ) « 1 » . وأما الطاغوت فهو من الطغيان ، ويُسمَّى المتَّصف به طاغياً ، وقد يُعبَّر عنه بالطاغوت للمبالغة ، فإنَّ الزيادة في حروف المباني تدلّ أحياناً على زيادة في المعاني ، ويُطلق الطاغوت ويُراد به ما عُبِدَ من دون الله عزّ وجلّ ، سواء كان المعبود إنساناً أم ملاكاً أم من الجنّ أم الحيوانات والحجر ، كما أنَّ كلّ رأس في الضلال طاغوت ، بل كلّ متبوع لا يرضى الله تعالى باتّباعه فهو طاغوت أيضاً ، حتى هوى النفس ونتاج الواهمة ؛ قال صدر المُتألهين : ( ولا يبعد أن يكون قوله : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ، إشارة إلى ترك التعويل بسبب الاعتماد على فطانة العقل المشوبة بالهوى ، المنبعثة عن غلبة القوّة الوهمية فيكون هذا - أي : الوهم - أحد معاني الطاغوت . . . ) « 2 » ، وقد سُمِّيَ الشيطان به لشدّة طغيانه . ومن لطائف هذه الفقرة : تقديم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله تعالى ، فقد تقدّم منّا في موضوعه أنَّ رفع المانع يهدف إلى إيصال داعي الفطرة لمطلوبه ، وهنا يُلاحظ أنَّ المانع من الإيمان الحقيقي بالله تعالى هو وجود الطواغيت التي تُعبد في الأرض من دون الله تعالى ، فلزم ما يلي : أوّلًا : الكفر بالطاغوت والكفّ عن متابعته ، لأنه المانع الحقيقي الذي يحول بين الفطرة السليمة ونيل مبتغاها ، فإذا ما تحقَّق الكفر به والبراءة منه انفتحت أبواب الإيمان وتحقَّقت الاستجابة لدواعي الفطرة ، أما إذا أراد أحد الإيمان بالله تعالى وهو لا يزال تابعاً للطواغيت في الأرض فإنه لن يصل إلى مرتبة حقيقة الإيمان ، وقد عبَّرت الفقرة بالكفر بالطاغوت لِتُنبِّه إلى مسألة خطيرة وحسَّاسة جداً ، وهي أنَّ التنصّل عن الإيمان بالطاغوت غير كافٍ

--> ( 1 ) تفسير القرآن الكريم ، صدر المتألهين : ج 4 ، ص 207 . ( 2 ) المصدر السابق : ج 4 ، ص 223 . .