السيد كمال الحيدري
363
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
النوع الرابع : كفر الإنكار : وهو كفر القلب واللسان ، أو قل : هو الكفر الصراح الذي لا يخفي صاحبه شيئاً ، كما هو الحال في كفر أبي جهل وأبي لهب وعتبة بن ربيعة ، ولا ريب بأنَّ هؤلاء الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يألوا جهداً ولم يدَّخروا مالًا إلا وكرَّسوه في حربهم على الرسول صلى الله عليه وآله والإسلام ، هم أدنى مرتبة من كفر المنافقين في النوع الثالث ، فهؤلاء على بؤسهم وضلالهم ، إلا أنهم كانوا صادقين في كفرهم ، بخلاف المنافقين الذين وُصِفُوا في قوله تعالى : وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ( البقرة : 14 ) « 1 » . وقد كتب الحاكم الأموي عبد الملك بن مروان إلى التابعي سعيد بن جبير يسأله عن الكفر فقال : ( الكفر على وجوه : فكفر هو شرك يتّخذ مع الله إلهاً آخر ، وكفر بكتاب الله ورسوله ، وكفر بادعاء ولد لله ، وكفر مدَّعي الإسلام وهو أن يعمل أعمالًا بغير ما أنزل الله ويسعى في الأرض فساداً ، ويقتل نفساً محرَّمة بغير حق « 2 » . وفي حديث طويل اختصره الطريحي ، مرويّ عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام يقول فيه : ( الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه : كفر الجحود وهو
--> ( 1 ) جدير بالذكر أنَّ اللغوي الكبير الخليل الفراهيدي رحمه الله تعالى قد أورد أصل تقسيمات الكفر بأنواعه الأربعة . انظر : كتاب العين : ج 5 ، ص 356 . ( 2 ) انظر : لسان العرب : ج 5 ، ص 145 . ولعلّ سعيداً رحمه الله كان يُريد وخز عبد الملك بن مروان في النوع الأخير الذي أسماه بمدّعي الإسلام ، فإنه كان قد سلَّط الحجاج على رقاب المؤمنين ليذيقهم ألوان العذاب ، وقد قام الحجّاج بفضائع ومخازي كثيرة يندى لها جبين الإنسانية ، كان واحداً منها هدم الكعبة بأمر من سيده ابن مروان ، وذلك عندما أمره بحرب ابن الزبير ، فراجع كتب التأريخ ليتبيَّن لك حجم المآسي التي خلّفها الأمويون حُكّاماً وأُمراء وولاة . .