السيد كمال الحيدري
362
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
النوع الثالث : كفر النفاق : وهو أن يؤمن بلسانه والقلب كافر ، وهو صورة معاكسة لصورة التقية المبتنية على إظهار كلمة الكفر وإخفاء الإيمان ، ولا ريب بأنَّ هذا النوع الثالث من أنواع الكفر لهو أخطر أنواع الكفر ، لأن صاحبه عادة ما يتمتَّع بجميع الحقوق الدنيوية للمسلم المؤمن ، ولا يلتزم بشيء من واجباته ، بل إنَّ لهؤلاء دوراً خطيراً أشبه ما يكون بوجود السرطان في الجسد ، لأنهم دائماً ما يعمدون إلى زعزعة الجبهة الداخلية للمسلمين ، فهم بحسب التعبير المعاصر يمثّلون الطابور الخامس ، وهم خير عون للكافرين الذين يُصرِّحون بكفرهم . وقد صرَّح القرآن الكريم بوجود هذه الفئة البغيضة في حياة الرسول صلى الله علية وآله ، حتى نزلت سورة كاملة في حقّهم ، سُمِّيت باسمهم ، وهي سورة ( المنافقون ) ، ولم يكن هؤلاء المنافقون بعيدين عن مدينة الرسول صلى الله عليه وآله ، بل كانوا منها ، كما جاء ذلك صريحاً في قوله تعالى : وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ( التوبة : 101 ) . وقوله : ( لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) ، يدلّ دلالة عظيمة على قدرة هؤلاء المنافقين على إخفاء كفرهم ، وربما تحكي لنا أنَّ هؤلاء الذين مردوا على النفاق قد تمكَّنوا من خداع المسلمين بإيمانهم ، ولكنهم سيظهرون الكفر فيما بعد بواسطة أعمالهم لا بصريح كلمات الكفر ، ونظراً لخطورة هذا الصنف من الكفَّار فإنَّ الله تعالى قد توعّدهم بقوله : ( سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ) ، عذاب في الدنيا ، وهو الحسد القاتل الكامن في قلوبهم للمؤمنين ، والحسد نار حارقة تأكل قلب صاحبها ، وعذاب في القبر ، لا يعرف مقداره ومدّته إلا الله تعالى ، ثمَّ يُردّ إلى عذاب أعظم بكثير ممَّا تقدم ، وهو العذاب والخلود في قعر جهنَّم وبئس المصير .