السيد كمال الحيدري

361

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

وقد ذكروا للكفر أنواعاً أربعة ، وهي : النوع الأوّل : كفر الجحود : وهو كفر اللسان مع معرفة القلب ، وهو غير صورة التقية « 1 » ، وقد جاء هذا النوع الأوّل صريحاً في قوله تعالى : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً . . . ( النمل : 14 ) ، أيّ كذَّبوا بها بألسنتهم مع أنَّ قلوبهم مُتيقِّنة بثبوت ما نفوه بألسنتهم ، وما فعلوا ذلك إلا لأجل ظلمهم وطغيانهم المُتمثّل بطلب العلو في الأرض ، ومنه قوله تعالى : . . . فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الْكَافِرِينَ ( البقرة : 89 ) ، فغلبتهم شقوتهم ، وباءوا بغضب منه تعالى ولعنه . النوع الثاني : كفر المعاندة : وهو أن يعرف بقلبه ، ويأبى بلسانه ، أي : يأبى الإيمان وإظهار الحقّ بلسانه ، وهو من قامت عنده الحجّة التامّة ولا يمنعه من الإيمان سوى المعاندة ، وغالباً ما يقع في هذا النوع من الكفر من كان في قلبه كِبر « 2 » .

--> ( 1 ) فالتقية مشابهة لهذا النوع ، فهي إظهار الكفر واستبطان الإيمان ، ولكنَّ هذا النوع من الكفر لا يُلازمه الإيمان ، فالإيقان في المقام ليس مساوقاً للإيمان ، وإنما المراد هو أنهم أنكروا ما ثبت لهم بالوجدان ، في حين إننا نجد في صورة التقية إخفاء الإيمان وإظهار الكفر حفظاً للنفس المحترمة ، كما جاء ذلك في قصّة الصحابي الجليل عمّار بن ياسر رضوان الله تعالى عليه ، عندما اضطرّه مشركو قريش إلى إعلان الكفر ، فأظهر الكفر وقلبه مطمئنّ بالإيمان ، وقد نزل في حقِّه قوله تعالى : مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ النحل : 106 . فالكافر الحقيقي هو من شرح بالكفر صدراً ، وإن خالف بذلك وجدانه ، فوجود الله تعالى فطري وجداني ، فإنكاره لا يتجاوز اللسان ، وهذا هو النوع الأول من الكفر ، فلا يشتبه عليك . ( 2 ) ودونك أُولئك الذين ثبتت لهم أحقّية أهل البيت عليهم السلام ومناقبهم الكثيرة ، إلا أنَّ هنالك شنشنة في صدورهم لا يستطيعون تجاوزها ، منشؤها الكبر والمعاندة ، فلا بمعطيات العلم يلتزمون ، ولا للموعظة يستمعون ، . . . قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ آل عمران : 119 . .