السيد كمال الحيدري
345
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
ففي اعتناق الإسلام ومتابعة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله تكمن الحياة الطيّبة الكريمة ، وبعبارة القرآن الكريم : إنَّ متابعته إحياء لنا ، وهو قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ . . . ( الأنفال : 24 ) ، وهذا يعني أنَّ الدين يمثّل حاجة فطرية مُلحَّة ، لا يُمكن الاستغناء عنها ، كما جاء ذلك صريحاً في قوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ( الروم : 30 ) . وقد كانت قريش تحول بين الناس وحاجتهم الفطرية هذه ، فهم يقتلون الناس ولكن بطريقة أُخرى ، يقتلون فيهم انتماءهم الحقيقي لله تعالى ، لتلك الحاجة الفطرية ، ولذلك كان عملهم فتنة ، بل أشدّ الفتن ، وكان الإنسان المكّي آنذاك يُكابد أشدّ أنواع المحن ، فإنَّ تلبية نداءات الفطرة تمثّل حاجة ملحّة ، قد تفوق الحاجة المادّية للطعام والشراب ، ولو كانت حاجة الإنسان للطعام والشراب أشدّ من حاجته للدين لتساوى بالحيوان والجماد والنبات ، لكنه امتاز بتلك الفطرة التي جُبلت على معرفة الله تعالى ونيل كمالاته ، وعليه فليس لأحد أن يمنع إنساناً من تلبية حاجاته الفطرية المتمثّلة بانتمائه الديني الإلهي ، كما ليس لأحد أن يمنعه من الهواء والماء والغذاء ، ولذلك جاءت آيات الجهاد الابتدائي لرفع تلك الموانع التي أقامها عُتاة قريش والتي وقفت حائلًا أمام تلبية النداء الفطري بالتمسّك بالدين الحقّ ، الدين الذي هو حقّ إلهي طبيعي لكلّ إنسان في الوجود ، وبالتالي فمتى ما وُجِد ذلك المانع الوضعي من الداعي الفطري فلابدَّ من مواجهته . وهذا الأمر لا يقتصر على الكفَّار فحسب ، فعلّة الجهاد ليست هي الكفر وإنما الممانعة من الوصول إلى الحقّ « 1 » ، فمن وقف حائلًا دون وصول الحقّ
--> ( 1 ) وبالتالي فالحكومات والمؤسَّسات التي تمنع من إقامة شعائر الدين يجب أن تُحارَب / / بضراوة حتى تفيء إلى أمر الله تعالى ، بل كلّ فرد يقف حائلًا من وصول الدين أو يمنع من إقامة الشعائر الدينية - كالذي يمنع أهله وأبناءه وأصدقاءه والعاملين معه من إقامة عباداتهم - لابَّد أن يُؤمر بالمعروف ويُنهى عن المنكر فإن فاء فبها ونعمت ، وإلا قُوتل حتى يفيء ، ولكن بإذن الحاكم الشرعي ، حتى لا تقع الفوضى في الأُمّة . .