السيد كمال الحيدري
344
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
وهنا لو لاحظنا الآيتين معاً نجد أنهما بصدد دفع وقوع الفتنة ، وقد شُرّع القتال فيهما لأجل درء وقوع الفتنة ، وبعبارة أُخرى : إنَّ ملاك القتال هو التوقّي من وقوع الفتنة ، فإن أمِن المسلمون من وقوع الفتنة ارتفعت علّة الحكم وموضوعه . والسؤال : ما هو المراد من الفتنة ؟ وجوابه هو أنَّ الفتنة التي تتحدّث عنها الآيتان ، والتي وُصفت في نصّ آخر بأنها أشدّ من القتل في قوله تعالى : . . . وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ . . . ( البقرة : 191 ) ، هي منع الراغبين في الدخول للإسلام ومحاربتهم واضطهادهم ، فقد كان مشركو قريش يفعلون ذلك بالمُستضعفين من أهل مكّة ، وقد كان نتيجة هذه المُمانعة امتناع كثيرين من دخول الإسلام ، فلو خُلي الإنسان المكّي ونفسه لدخل كثير منهم إلى الإسلام ، ولم يبق منهم على الجاهلية والشرك سوى العتاة الظلمة ، ولكن خشية المُستضعفين من القتل والتجويع والتشريد - كما هي سنّة جميع الطغاة في الأرض قديماً وحديثاً - كانت سبباً حقيقياً وراء عدم إقدامهم على نبذ الشرك والالتزام بدين التوحيد . ولا ريب بأنَّ فعل هؤلاء المُمانعين من التمسّك بالحقّ هو فتنة بل أعظم الفتن ، وهو عمل أشدّ من القتل البدني ، لأنه قتل للفكر والحرية والاختيار ، قتل لشخصية الإنسان ، وقتل الشخصية أعظم من قتل الشخص . قال الطباطبائي : ( فالمعنى شدِّدوا على المشركين بمكّة كلّ التشديد بقتلهم حيث وُجِدُوا ، حتى ينجرَّ ذلك إلى خروجهم من ديارهم وجلائهم من أرضهم كما فعلوا بكم ذلك ، وما فعلوه أشدّ ، فإنَّ ذلك منهم كان فتنة ، والفتنة أشدّ من القتل ، لأنَّ في القتل انقطاع الحياة الدنيا ، وفي الفتنة انقطاع الحياتين وانهدام الدارين ) « 1 » .
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 61 . .