السيد كمال الحيدري

343

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

إذن فعلى فرض وجود تنافٍ فهو تنافٍ محدود بين نفي الإكراه وبين الأمر بالجهاد الابتدائي ، وإذا ما تمكنَّا من إثبات عائدية الجهاد الابتدائي إلى الجهاد الدفاعي فإنَّ إشكال التنافي سيرتفع من رأس . تنبيه وقبل بيان العائدية ينبغي التنبيه إلى أننا نبحث في موضوعة الجهاد من جنبة تفسيرية لا من جنبة فقهية ، ففي المجالات الفقهية تُوجد تقسيمات للجهاد ، ولكلّ قسم أحكامه الخاصّة ، وأما في حدود النصّ القرآني فلا يُوجد تقسيمات كهذا ، وإنما هي آيات آمرة بالجهاد ، سواء كان جهاداً دفاعياً بالمنظور الفقهي أم ابتدائياً . أهداف آيات الجهاد والآن لو طالعنا النصوص القرآنية فإننا سنجد أنَّها تُحدّد لنا هدفاً أو أهدافاً معيّنة للقتال والجهاد ، فإن كان الهدف الحقيقي من الجهاد هو إكراه الناس على قبول الدين الإسلامي فذلك منفيّ بنفس آية نفي الإكراه ، وأما إذا كانت آيات القتال والجهاد بصدد تحقيق أهداف أُخرى ، فلابدَّ لنا من النظر في هذه الأهداف ومعرفة ما إذا كانت تتنافى مع مضمون آية نفي الإكراه أم لا ؟ فإن وقع التنافي صرنا إلى الحلّ المناسب ، وإن لم يقع التنافي - كما هو واقع الحال - فلا إشكال في البين . فما هي أهداف آيات الجهاد ، التي يُعبَّر عنها فقهياً بآيات الجهاد الابتدائي ؟ أوّلًا : قال تعالى : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ( البقرة : 193 ) . ثانياً : قوله تعالى : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِله فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( الأنفال : 39 ) .