السيد كمال الحيدري
337
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
يُوجد في الدين شيء تكرهه النفس ، فكلّ شيء فيه هو خير محض ، وشاهده على ذلك هو قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ . . . ( البقرة : 216 ) ، فالقتال أو الجهاد تكرهه النفس ، ولكنه جزء من الدين ، والصدقات الواجبة فضلًا عن المُستحبّة تكرهها النفس ، ولكنها واجبة ، والصلاة والصوم والحجّ من أجزاء الدين أيضاً ، ولكنها فيها كره معلوم ، لأنَّ فيها جُهداً وتقييداً ؛ وهنا يقول صاحب هذا القول بأنَّ هذا الكره هو كره ظاهري ، وليس كرهاً حقيقياً ، ولذلك تقول الآية الآنفة : وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ، وهذا الكره الصوري تكشف عن صوريّته آية الكرسي بقوله تعالى : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ، أي : لا شيء مكروه واقعاً في الدين ، وأنَّ الكره المُتصوَّر صوريّ لا واقعية له . كما قد ادُّعي بأنَّ لآية نفي الإكراه صلة وثيقة بموضوعة التفويض ، حيث حاول بعض أعلام المعتزلة إثبات ذلك ، وسوف نقف عند إشكاليتهم وبيان سقم استدلالهم في بحوث التفسير الموضوعي . قوله تعالى : ( قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) بعد أن اتّضح نفي الإكراه القلبي على التمسّك بالدين عقائدياً ، قد يُقال بأنَّ علّة عدم الإكراه هو قوله : قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ، فليس هنالك اضطرار لإكراه الإنسان على التمسّك بالعقيدة الإسلامية بعد أن اتّضح له الحقّ من الباطل ، فهل الأمر كذلك ، أو أنَّ ما تقدّم من التعليل هو العلّة الفعلية لعدم الإكراه ؟ وجوابه : إننا في ضوء المعطيات المتقدّمة اتّضح لنا أنَّ الجملة الآنفة ، وهو قوله : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ، إما أن تكون خبرية أو إنشائية ، فبناء على خبريّتها فإنَّ عدم المكنة البشرية من إيقاع الإكراه على العقيدة لكونه أمراً قلبياً هو العلّة الحقيقية في ذلك ، لا لأنَّ تبيّن الرشد من الغي كان مانعاً منه ؛ وبناءً على ذلك