السيد كمال الحيدري
338
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
يترشَّح سؤال وإشكال حول جدوى إرداف عدم الإكراه بقوله : قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ؟ والجواب هو أنَّنا ذكرنا بأنَّ الله تعالى وحده القادر على إكراه الإنسان قلبياً على ما يُريده ، ولكنه لم يفعل ذلك لأنَّ الداعي لتبنّي العقيدة الإسلامية الصحيحة حاصل ، وهو نفس تبيّن الرشد من الغيّ ، فإنه سبحانه لم يُكرهنا على الكمال المطلوب لتحقّق أسبابه ، وهو نفس التبيّن ، فمن استجاب لذلك كان من السعداء ، ومن لم يستجب كان من الأشقياء ، وموضوعة التبيّن هي السبب الثاني الذي نوَّهنا له آنفاً . وأما بناءً على إنشائيتها فلا ريب بأنَّ قوله : ( قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) هو العلّة الأقرب للنهي عن الإكراه في الدين ، وهذا ما نستقربه من الآية ، فإنَّ تعليل عدم الإكراه بتبيّن الرشد من الغيّ يُعطي لهذه الفقرة أهمّية أكبر ، بخلاف التعليل السابق فإنه يكاد أن يُفرغ فقرة التبيين من محتواها أو يُقلِّل من أهمّيتها وضرورة وجودها ، كما أنَّ الفقرات اللاحقة تُساعد أكثر على القول بالإنشائية على الخبرية . وعلى أيّ حال ، فإنَّ عدم الإكراه هو المحصلة الحقيقية من وراء ذلك ، سواء التزمنا بالخبرية أم الإنشائية ، فهو - إذا جاز لنا التعبير - إستراتيجية قرآنية في الدين والعقيدة ، إلا أنَّ هنالك مَن فهم غير ذلك ، فاعتبر عدم الإكراه قضية مشروطة بعدم التبيين ، فإن وقع التبيين فللشارع المُقدَّس أن يُكره الإنسان المُبيَّن له على تبنِّي العقيدة الإسلامية ، هذا ما يظهر لنا من كلمات القمّي في تفسيره ، حيث يقول : ( وقوله : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ، أي : لا يُكره أحد على دينه إلا بعد أن قد تبيَّن له الرشد من الغيّ . . . ) « 1 » ، فمن لم يتبيَّن له
--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 1 ، ص 84 . .