السيد كمال الحيدري
22
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
وهذه الخزائنية هي المُستودع الفعلي للكمالات الإلهية المُطلقة ، بمعنى أنَّ ما نُلاحظه ونحسّه ونسمع به في حيّز الوجود الخارجي ما هو إلا آثار وتجلّيات أسماء الله الحسنى وصفاته الأسنى ، وأما الخزائنية فهي التحقّق الفعلي لذات الاسم والصفة ، وبيِّن لذوي الصنعة بأنَّ أسماءه وصفاته ليست أُموراً اعتبارية وإنما هي وجود حقيقي تكويني ، وإلا للزم - والعياذ بالله تعالى - انعدام الذات المقدّسة ، وهو ممنوع عقلًا ونقلًا ، وقد تقدَّمت منّا وقفات عديدة حول هذا الموضوع الدقيق والعميق ، منها ما مرَّ عليك في موضوعة رمزية الأسماء الحسنى « 1 » . وعلى أيّ حال ، فإنَّ ما تقدّم في المراتبية الأُولى يُمهِّد لنا تصوّرها في مقولة التأويل ، بل ذلك من باب أَولى ، فقد ورد في الأخبار أنَّ للقرآن بطناً أو سبعة بطون أو سبعين بطناً « 2 » ، بل لا نهاية لبطونه ، فقد ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه شرع بشرح البسملة من أوّل الليل إلى آخره ولم يتمّ شرحها ، ثمَّ قال : ( لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من باء بسم الله الرحمن الرحيم ) « 3 » ، فدلَّ ذلك على انتفاء نهاية معاني القرآن ، وكيف يُتصوّر نهاية لمعانيه وهو مجلى لكمال الله وجماله وجلاله ؛ قال تعالى : قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ( الكهف : 109 ) . وهذا المعنى ينسجم تماماً مع فكرة التأويل ، وبذلك تتأكّد فكرة المراتبية التأويلية ، وسوف يأتينا الجانب التطبيقي لهذه المراتبية في بحث تأويلات آية الكرسي . إذن ، فحيث إنَّ هذه المراتبية ثابتة ، ولو إجمالًا ، فإنَّ كلّ مرتبة هي سُلَّم
--> ( 1 ) الفصل الثاني من الباب الأول من الكتاب . ( 2 ) ممَّا روي عن النبي صلى الله عليه وآله : ( إنً للقرآن ظهراً وبطناً ، ولبطنه بطن إلى سبعة أبطن ) ، انظر : عوالي اللآلي ، للأحسائي : ج 4 ، ص 107 . وفي بعض الأخبار ورد أنَّ له سبعين بطناً ، وفي بعضها سبعمائة بطن . ( 3 ) المصدر السابق : ج 4 ، ص 102 ، ح 150 . .