السيد كمال الحيدري

90

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

والتبيينية لقوله تعالى : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( النحل : 44 ) . وأما الفوارق الرئيسية والمهمّة بينها فهي أن البيانية القرآنية تعني الأمر الواضح الذي يصحّ أن يُخبَر به ، وهو أُسلوب عادةً ما يُخاطب به عامّة الناس ، ولذا جاء في الآية الكريمة : هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وأما التبيانية فهي أُسلوب آخر يُلحظ فيه جهة المخاطب ، ولا يُستعمل لعامّة الناس ، ولذلك قال تعالى مُخاطباً نبيّه صلى الله عليه وآله : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ، فهو ليس تبياناً لعامّة الناس ، وإنّما لطبقة مُعيّنة ارتقت بمراتبها المعرفية والمعنوية يقف في طليعتها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، ومن هنا تنطلق العملية التفسيرية . وأما التبيينية والتبيُّنية القرآنية فهي الوظيفة الإلهية التبليغية الأُولى للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله تجاه القرآن الكريم ، وعندما نعرِّف ذلك بالوظيفة الإلهية فذلك لاعتمادها على المُعطى الإلهي القائم في البيانية . ومن هنا يتّضح لنا أن القرآن بوجوده البياني لا يحتاج إلى مُفسّر ، لأنه : بَيَانٌ لِّلنَّاسِ عامّة ، فلا يبقى معنى لبيانه من قبل الآخرين ، ومن هنا وقع بعض الأعاظم « 1 » في شبهة عدم احتياج القرآن إلى مُفسّر ، وفقاً لقاعدة أنَّ القرآن يُفسّر بعضه بعضاً ، مع أن هذه التفسيرية الذاتية هي على مستوى البيانية لا على مستوى التبيانية فضلًا عن التبيينية والتبيُّنية . وعلى أيّ حال ، فالوظيفة النبوية الأُولى تجاه القرآن الكريم هي التبيين وليست البيان أو التبيان ، فالبيان عامّ والتبيان خاصّ والتبيينية بين بين ، أما العامّية فواضحة ، وأما الخصوصية - الخاصّ - فلانحصار الدائرة بثلّة مُعيّنة

--> ( 1 ) لعلّ في ذلك إشارة إلى السيد الطباطبائي قدّس سرّه . .